من حق أي كاتب أو سياسي أو مراقب أن يسأل: لماذا يتشكل تحالف دفاعي جديد في الشرق الأوسط؟ ومن يواجه؟ وما الذي يستطيع أن يفعله إذا وقعت الحرب؟
لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الأسئلة المشروعة إلى أحكام قطعية، وعندما يصبح عدم الإعلان عن «عدو» محدد دليلًا على أن التحالف بلا قيمة، أو عندما تُختزل محاولات دول المنطقة لبناء قدراتها الذاتية في كونها مجرد «طمأنة» أمريكية لحليف.
هنا تحديدًا أختلف مع أطروحة «تحالف الأتباع».
فالتحالف الذي وقعته السعودية وتركيا وباكستان في مكة يوم 7 أغسطس الجاري ليس مجرد بيان سياسي أو صورة جماعية أمام الكاميرات. جوهر الاتفاق أن أي هجوم مسلح على دولة من الدول الثلاث يُنظر إليه باعتباره هجومًا عليها جميعًا، مع تعزيز التعاون الدفاعي بينها. صحيح أن تفاصيل آليات التنفيذ العسكري لا تزال محدودة، وأن الدول الثلاث تؤكد أن الاتفاقية دفاعية وليست موجهة رسميًا ضد دولة بعينها، لكن غياب تسمية الخصم لا يعني غياب وظيفة الردع.
فالتحالفات الدفاعية لا تُبنى دائمًا على إعلان خصم محدد، وإنما على رفع كلفة الحرب أمام أي طرف يفكر في شنها. حين تعرف دولة ما أن مهاجمة السعودية، مثلًا، قد تستدعي مشاركة تركيا وباكستان سياسيًا وعسكريًا، فإن حساباتها تتغير. الردع لا يحتاج دائمًا إلى تسمية الخصم؛ يكفي أن يعرف الخصم أن كلفة الاعتداء ارتفعت.
أما القول إن الاتفاقية ليست أكثر من «مظلة أمريكية جديدة»، فهو استنتاج يحتاج إلى دليل. الولايات المتحدة ليست طرفًا في الاتفاق ولم تدخلها كضامن. بل إن أحد دوافع مثل هذه التحركات الإقليمية هو تقليل الاعتماد الكامل على الضمانات الخارجية.
والأهم أن التعاون السعودي-الباكستاني سبق الاتفاق الثلاثي. فقد وقعت الرياض وإسلام آباد في سبتمبر 2025 اتفاق دفاع استراتيجي ينص على اعتبار العدوان على إحداهما عدوانًا على الأخرى، ثم شهد أبريل 2026 وصول قوة عسكرية باكستانية إلى السعودية في إطار ذلك التعاون. وبالتالي، فإن اتفاق مكة ليس فكرة ولدت في يوم توقيعها، بل خطوة ضمن مسار يتطور تدريجيًا من الاتفاقات إلى التعاون العملي.
وهنا تصبح فكرة «الطمأنة السعودية» غير كافية لتفسير المشهد. نعم، السعودية تريد أمنًا أكبر، وهذا طبيعي، لكن السؤال الأهم هو: لماذا تريد ثلاث دول ذات إمكانات مختلفة أن تتشارك في بناء منظومة ردع؟
الإجابة تكمن في تكامل عناصر القوة. السعودية تمتلك الوزن الاقتصادي والسياسي والجغرافي ومكانتها المركزية عربيًا وإسلاميًا. تركيا تمتلك جيشًا كبيرًا وصناعة دفاعية متطورة وخبرة في الطائرات المسيّرة والصواريخ والسفن والأنظمة العسكرية. أما باكستان فتملك جيشًا كبيرًا وخبرة عسكرية متراكمة، إضافة إلى كونها دولة نووية.
هذه العناصر، إذا جرى دمجها مؤسسيًا، يمكن أن تتحول إلى منظومة ردع حقيقية. فالقوة لا تقاس فقط بعدد الطائرات والصواريخ، وإنما بقدرة الدول على دمج مواردها السياسية والاقتصادية والعسكرية في قرار استراتيجي منسق.
لكن ذلك لا يعني أن الاتفاقية أصبحت منذ الآن «ناتو إسلاميًا»، ولا أن الدول الثلاث تحولت بين ليلة وضحاها إلى قوة عسكرية متكاملة. فما زالت هناك أسئلة أساسية حول آلية اتخاذ القرار، وحجم الالتزام العسكري، والقيادة المشتركة، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، والتدريبات والعمليات المشتركة والصناعة الدفاعية.
وهذه أسئلة مشروعة، لكنها لا تجعل الاتفاقية بلا قيمة. كل منظومة استراتيجية تبدأ بوثيقة سياسية، ثم تحتاج إلى مؤسسات وآليات تنفيذ وقدرات مشتركة حتى تتحول إلى قوة حقيقية.
وفي هذا السياق، تكتسب مسألة إيران أهمية خاصة، ليس فقط باعتبارها دولة ذات ثقل عسكري وجغرافي في المنطقة، وإنما أيضًا باعتبارها قد تكون جزءًا من النقاش حول مستقبل هذه المنظومة. فقد نقلت تصريحات إعلامية عن سفير باكستان لدى روسيا أن بلاده لا تمانع انضمام إيران إلى التحالف الدفاعي المشترك مع تركيا والسعودية. وإذا تأكد هذا التوجه بوصفه موقفًا سياسيًا قابلًا للبناء عليه، فإنه يفتح الباب أمام قراءة أوسع للاتفاق، باعتباره قابلًا للتطور من إطار ثلاثي إلى صيغة أمنية إقليمية أكثر اتساعًا.
لكن ينبغي التمييز هنا بين الترحيب المبدئي أو عدم الممانعة وبين وجود قرار رسمي بضم إيران إلى التحالف. فالمسألة ليست مجرد إضافة دولة جديدة إلى قائمة الأعضاء، وإنما تتعلق بتوافق الدول المؤسسة على طبيعة المنظومة، والتزامات أعضائها، وأهدافها، وحدود التعاون الدفاعي بينها.
ومع ذلك، فإن مجرد طرح احتمال انضمام إيران يحمل دلالة مهمة؛ لأنه يعقد القراءة التي تختزل الاتفاق في مواجهة طرف إقليمي بعينه. فإذا كانت المنظومة قابلة، من حيث المبدأ، لاستيعاب دول ذات علاقات متباينة ومصالح متعارضة في ملفات كثيرة، فإن وظيفتها المحتملة تصبح أقرب إلى بناء إطار للأمن الإقليمي منها إلى تشكيل جبهة مواجهة تقليدية.
أما مصر، فلا ينبغي النظر إليها باعتبارها مجرد «قطعة شطرنج» تنتظر الانضمام. إذا انخرطت القاهرة مستقبلًا في منظومة أمن إقليمي، فستدخل باعتبارها دولة صاحبة قرار ومصالح مستقلة. فمصر تملك موقعًا جغرافيًا استثنائيًا، وقناة السويس، والبحر الأحمر والمتوسط، وثقلًا عربيًا وسياسيًا وعسكريًا وخبرة طويلة في إدارة التوازنات الإقليمية.
لكن القاهرة لن تنضم لمجرد زيادة عدد الدول، بل ستسأل: ما أهداف المنظومة؟ وما حدود الالتزامات؟ وماذا ستضيف إلى الأمن القومي المصري والعربي؟
وهذا هو الفارق بين التحالف الحقيقي وتحالف الأتباع. التحالف الحقيقي يقوم على تقاطع المصالح لا على التبعية.
كما أن الدول الثلاث نفسها لا تنتمي إلى مدرسة سياسية واحدة؛ فتركيا عضو في الناتو، والسعودية ترتبط بعلاقات استراتيجية عميقة مع الولايات المتحدة، وباكستان لديها شراكة دفاعية واسعة مع الصين. ومع ذلك تستطيع هذه الدول إيجاد مساحة مشتركة في الأمن والدفاع. وإذا أضيف إلى ذلك احتمال انفتاح المنظومة على دول أخرى، مثل إيران، فإن الصورة تصبح أكثر تعقيدًا، وأبعد عن فكرة التحالف الذي يقوم على اصطفاف أيديولوجي أو محور واحد مغلق.
وهذا يعكس عالمًا يتجه من التحالفات الجامدة إلى شبكات متعددة من الشراكات، حيث تستطيع الدول أن تتعاون في ملف، وتختلف في ملف آخر، من دون أن يعني ذلك بالضرورة انهيار العلاقة أو استحالة العمل المشترك.
لذلك لا ينبغي التهليل الأعمى للاتفاق، ولا التقليل من شأنه مسبقًا. اتفاق مكة ليس «فتحًا» بالمعنى الدعائي، وليس أيضًا مجرد «تحالف أتباع». إنه بذرة قوة قد تتحول إلى منظومة مؤثرة، وقد تذبل إذا بقيت في حدود التوقيع والبيانات.
الحكم الحقيقي لن تصنعه الخطب، بل ما سيأتي بعدها: القيادة والتدريب والاستخبارات والتسليح والتنسيق العملياتي والصناعة الدفاعية.
فالسؤال الأهم ليس: «تحالف الأتباع أم تحالف الأقوياء؟» بل: هل تستطيع دول المنطقة الانتقال من الاعتماد على مظلات الآخرين إلى بناء مظلتها الخاصة؟
وهنا فقط ستتضح قيمة اتفاق مكة، فالتاريخ لا يحكم على التحالفات من لحظة توقيعها، بل بما تستطيع أن تفعله عندما تأتي لحظة الاختبار.

















