في ظل التحديات الاقتصادية التي تمر بها مصر، يصبح من الضروري التساؤل عن أولويات الإنفاق العام، خاصة في المجال الثقافي، الإعلان الأخير عن العدد الكبير من التعيينات في المجلس الأعلى للثقافة، إلى جانب تشكيل لجان متعددة بمكافآت ملحوظة، يثير تساؤلات جدية حول جدوى هذا التوسع وما إذا كان مردوده الثقافي يتناسب فعلًا مع حجم الإنفاق.
الثقافة بلا شك ركيزة أساسية في بناء الوعي وصياغة الهوية الوطنية، لكن المشكلة ليست في أهميتها، بل في كيفية إدارتها، هنا يظهر جوهر أزمة المجلس: كمّ بلا كيف، فالأعداد الكبيرة من الأعضاء واللجان لا تعكس بالضرورة تأثيرًا فعليًا على المشهد الثقافي، وقد تتحول بعض هذه الكيانات إلى مجرد مناصب شرفية أو أدوات للمجاملات.
التضخم الإداري يخلق انطباعًا بالحراك والنشاط، لكنه غالبًا يؤدي إلى تشتت الجهود وضعف التنسيق. في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، يصبح من الضروري التأكد أن كل جنيه يُصرف على الثقافة يحقق قيمة مضافة حقيقية، ويخدم أهدافًا واضحة ومؤثرة، لا مجرد توسعة شكلية للهيكل الإداري.
التاريخ الثقافي للمؤسسات الرسمية يعكس محاولات سابقة لاحتواء الأصوات المعارضة، عبر إدماج المثقفين ضمن المنظومة الرسمية، ما قلل من استقلالية النقد وأضعف دور الثقافة في التنوير. واليوم، مع تكرار بعض الممارسات، يبرز خطر إعادة إنتاج نفس النموذج، وإن بصيغ مختلفة: مؤسسات مغلقة تعيد إنتاج الأفكار نفسها وتستبعد الأصوات المستقلة، وهو ما يحد من حيوية المشهد الثقافي وقدرته على التجدد.
الحل ليس في تقليص دور الدولة، بل في إعادة هيكلة المجلس الأعلى للثقافة بشكل يوازن بين الكمّ والكيف. تقليل عدد اللجان، التركيز على مشاريع ثقافية واقعية تصل إلى الجمهور، دعم الإبداع، وتقييم الأداء بمعايير واضحة تقيس الأثر الفعلي بدلًا من مجرد الاجتماعات والتعيينات، كلها خطوات ضرورية لتحويل الإنفاق إلى استثمار حقيقي.
ختامًا، الثقافة قوة للتغيير والتقدم، لكنها تحتاج إلى إدارة رشيدة توازن بين الطموح والإمكانات. وبدون ذلك، سيظل المجلس الأعلى للثقافة مجرد كمّ بلا كيف، أرقامًا على الورق لا تُترجم إلى تأثير ملموس على المجتمع.
نرشح لك.. المسلماني: استعدنا العصر الذهبي لإذاعة القرآن الكريم بـ 7 خطوات حاسمة

















