في السياسة، لا تأتي اللقاءات الكبرى مصادفة، ولا تُقرأ بياناتها الرسمية بمعزل عن توقيتها وما تحمله من رسائل تتجاوز الكلمات المعلنة. ومن هنا، فإن استقبال الرئيس عبد الفتاح السيسي للمشير خليفة حفتر، اليوم الأربعاء، بحضور اللواء حسن رشاد، مدير جهاز المخابرات العامة المصرية، وعدد من أبرز المسؤولين الليبيين، لا يمكن النظر إليه باعتباره لقاءً بروتوكوليًا عابرًا، بل باعتباره حلقة جديدة في مسار مصري يتعامل مع الملف الليبي باعتباره قضية أمن قومي ومصلحة مشتركة بين بلدين تجمعهما الجغرافيا والتاريخ والمصير.
مصر، التي تتشارك مع ليبيا حدودًا طويلة، تدرك أن ما يحدث في الجوار الغربي لا يتوقف تأثيره عند الأراضي الليبية. فكل اضطراب أمني، أو انقسام سياسي، أو انتشار للجماعات المسلحة، يمكن أن يتحول إلى تهديد مباشر للأمن المصري، بينما يمثل استقرار ليبيا فرصة حقيقية للتعاون الاقتصادي والتنمية وإعادة الإعمار.
ولذلك، يبدو الموقف المصري المعلن ثابتًا في جوهره: ليبيا الموحدة، والمؤسسات الموحدة، والجيش والمؤسسات الأمنية القادرة على حماية الدولة، ثم انتخابات تنهي حالة الانقسام وتمنح الليبيين فرصة حقيقية لاختيار من يحكمهم. وهي رؤية تبدو بسيطة في صياغتها، لكنها تصطدم على الأرض بتعقيدات سياسية ومصالح إقليمية ودولية متشابكة.
اللافت في اللقاء أن الحديث المصري لم يتوقف عند حدود الأمن، بل امتد إلى التنمية والازدهار. وهذه نقطة شديدة الأهمية؛ لأن استقرار الدول لا تصنعه الترتيبات الأمنية وحدها. ليبيا تحتاج إلى دولة تعمل، ومؤسسات تقدم الخدمات، واقتصاد يستعيد عافيته، ومشروعات تعيد بناء ما دمرته سنوات الصراع. وهنا يمكن لمصر أن تكون شريكًا مهمًا بحكم قربها الجغرافي وخبرتها في مجالات البنية الأساسية والطاقة والإعمار.
كما أن حضور قيادات عسكرية واقتصادية ليبية إلى جانب المشير حفتر يحمل دلالة سياسية لا ينبغي تجاهلها. فالقضية الليبية لم تعد مجرد صراع على النفوذ، وإنما أصبحت في جوهرها معركة لإعادة بناء الدولة نفسها. وكلما اتسعت دائرة الأطراف التي تتعامل مع فكرة الدولة والمؤسسات، أصبح الوصول إلى تسوية سياسية أكثر قابلية للتحقق.
لكن التحدي الحقيقي يظل في تحويل المبادئ المعلنة إلى خطوات عملية. فالدعوة إلى الانتخابات مهمة، لكن الأهم هو توفير الظروف السياسية والأمنية والقانونية التي تجعلها ممكنة، وتضمن قبول نتائجها. كما أن الحديث عن توحيد المؤسسات لا يكفي ما لم يصاحبه توافق ليبي واسع، بعيدًا عن منطق الغلبة والإقصاء.
مصر، في النهاية، لا تبحث عن ليبيا ضعيفة أو منقسمة، فليبيا القوية والمستقرة هي الأكثر قدرة على حماية حدودها، والأكثر قدرة على بناء شراكة حقيقية مع جيرانها. وربما تكون هذه هي الرسالة الأهم التي يمكن استخلاصها من لقاء السيسي وحفتر: أن أمن البلدين ليس ملفين منفصلين، وأن استقرار ليبيا ليس شأنًا ليبيًا خالصًا بالنسبة إلى مصر، بل جزء من معادلة أوسع للأمن والاستقرار في المنطقة.
ويبقى الرهان على أن تدرك القوى الليبية جميعها أن الدولة أكبر من أي طرف، وأن الانتخابات والمؤسسات ليستا شعارات سياسية، وإنما الطريق الوحيد للخروج من دوامة الانقسام. أما مصر، فيبدو أنها ماضية في تثبيت موقفها: ليبيا موحدة، مستقرة، وآمنة، وجارتها الغربية شريك في الأمن والتنمية، لا ساحة جديدة للصراع.

















