في كل موسم انتخابي، تطفو على السطح ظاهرة باتت تُهدد جوهر الديمقراطية ونزاهة العملية السياسية، وهي ظاهرة المال السياسي، ذلك المال الذي يُستخدم لشراء الأصوات أو التأثير على إرادة الناخبين، سواء بشكل مباشر أو عبر دعم القوائم والأحزاب بصورة غير مشروعة. ورغم ما تمثله هذه الممارسات من مخالفة قانونية صارخة، فإنها في ميزان الشرع حرام قطعًا، لأنها تفسد الضمائر وتُشوّه معنى المشاركة الوطنية.
الإسلام، منذ بداياته، وضع أسسًا راسخة للعدل والنزاهة، وحرّم كل ما يؤدي إلى فسادٍ في الأرض أو أكل أموال الناس بالباطل. قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: 188].
وفي الحديث الشريف: “لعن الله الراشي والمرتشي والرائش بينهما”.
فكيف بمن يستخدم المال ليشتري ضمائر الناس أو يُضلل إرادتهم ليصل إلى مقعدٍ في البرلمان أو موقعٍ في حزبٍ سياسي؟
إن ذلك لونٌ من ألوان الرشوة التي حرّمها الله ورسوله، لأنها تُبدّل القيم وتُفرغ العمل السياسي من معناه الحقيقي.
في نظام القوائم الحزبية، يتخذ المال السياسي أشكالًا أكثر خفاءً: تمويل حملات انتخابية بطرق ملتوية، توزيع مساعدات وهبات على الفقراء لاستمالة أصواتهم، أو دعم شخصيات بعينها داخل القوائم لضمان الولاء. هذه الممارسات لا تختلف في جوهرها عن الرشوة، وإنْ غُلِّفت بشعارات الخير والخدمة العامة، لأنها تقوم على الاستغلال والتأثير غير النزيه في قرار الناخب.
ومن المؤسف أن بعض المواطنين يتساهلون في قبول هذه الأموال، معتبرين أنها “هدية” أو “مساعدة مؤقتة”، بينما هي في حقيقتها مال حرام، لأنها تدفعهم للتصويت على غير قناعة أو اختيار، وهو ما يُفقد الانتخابات معناها. فالصوت الانتخابي ليس سلعة تُباع وتُشترى، بل هو أمانة وشهادة أمام الله والوطن، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: 58].
إن أخطر ما يفعله المال السياسي أنه يُقصي الكفاءات ويُقدّم أصحاب المال والنفوذ على حساب أصحاب الفكر والخبرة، فيتحول البرلمان إلى ساحة مصالح شخصية بدل أن يكون منبرًا لخدمة الوطن. وحين تُباع الأصوات وتُشترى المواقف، تفقد الديمقراطية معناها، ويصبح المال سيد القرار بدلًا من الضمير والعقل.
محاربة المال السياسي ليست مسؤولية القوانين وحدها، بل هي واجب وطني وأخلاقي وديني، يجب أن يشارك فيه الجميع: الدولة، والمؤسسات الدينية، ووسائل الإعلام، والمجتمع المدني. كما ينبغي على الناخب أن يدرك أن صوته أمانة، وأن من يبيع صوته اليوم، يبيع مستقبل أبنائه غدًا.
فالمال السياسي ليس طريقًا إلى خدمة الوطن، بل هو بابٌ واسع للفساد والظلم. ومن هنا، فإن القول الفصل هو أن المال السياسي حرام شرعًا، ومرفوض وطنيًا، ومجرّم أخلاقيًا، لأنه يقتل النزاهة ويشوّه الإرادة ويهدم أسس العدالة.
ولتبقَ الكلمة العليا دائمًا للضمير الحر، لا للمال الفاسد.





















