قد تبني دولة طريقا في شهور لكنها تحتاج إلى سنوات حتى ترسخ ثقافة تحافظ عليه. وقد تُشيد مدرسة حديثة أو مستشفى متطورا لكن قيمتهما الحقيقية لا تقاس بما أُنفق عليهما وإنما بالطريقة التي يتعامل بها الناس معهما. فالتنمية ليست مجرد خرسانة وحديد وليست أرقاما تتصدر التقارير بل هي قبل كل شيء سلوك إنساني يعكس وعي المجتمع ومسؤوليته.. ولهذا فإن الدول التي نجحت في تحقيق نهضات مستدامة لم تعتمد على وفرة الموارد وحدها وإنما نجحت لأنها استطاعت أن تجعل المسؤولية ثقافة عامة وأن تحول احترام القانون وإتقان العمل والمحافظة على الممتلكات العامة من واجبات مفروضة إلى قناعات راسخة.
وفي كل مرة نتحدث فيها عن التنمية ينصرف الذهن إلى المشروعات الكبرى، والاستثمارات، والمناطق الصناعية، وشبكات الطرق وهي جميعا عناصر لا غنى عنها. لكن الحقيقة التي تؤكدها التجارب أن التنمية لا تكتمل بهذه المشروعات وحدها بل تحتاج إلى مواطن يرى نفسه شريكا في النجاح لا مجرد مستفيد منه…فالدولة تستطيع أن توفر الخدمة لكنها لا تستطيع وحدها أن تضمن حسن استخدامها. ويمكنها أن تضع القوانين لكنها تحتاج إلى مجتمع يؤمن بأن احترام القانون ليس خوفا من العقوبة بل احتراما للمصلحة العامة. وتستطيع أن تطور المرافق لكنها لا تستطيع أن تمنع الإهمال إذا غاب الشعور بالمسؤولية.. ومن هنا فإن الوعي ليس مفهوما ثقافيا مجردا بل هو أساس لكل عملية تنموية ناجحة. فالوعي هو الذي يجعل العامل يحرص على جودة إنتاجه والموظف ينجز عمله بإتقان والطبيب يضع مصلحة المريض فوق أي اعتبار والمعلم يدرك أن رسالته لا تنتهي عند شرح الدرس بل تبدأ منه. وهو الذي يجعل المواطن يحافظ على نظافة شارعه ويرشد استهلاكه للمياه والطاقة ويحترم النظام في حياته اليومية.. ولعل أخطر ما يواجه التنمية ليس دائمًا نقص الإمكانات وإنما تراجع الإحساس بالمسؤولية. فقد تتوافر الموارد لكن سوء إدارتها يهدرها.
وقد تنفذ مشروعات بكفاءة، ثم تتراجع قيمتها بسبب الاستخدام الخاطئ أو غياب الصيانة أو التعامل معها باعتبارها مسؤولية جهة أخرى.. ولهذا فإن العلاقة بين التنمية والمسؤولية علاقة لا تقبل الفصل. فكلما اتسعت دائرة المسؤولية ازدادت قدرة المجتمع على حماية منجزاته وكلما ارتفع مستوى الوعي أصبحت التنمية أكثر استدامة وأقرب إلى حياة الناس.
كما أن المسؤولية لا تقع على المواطن وحده بل هي مسؤولية مشتركة. فالدولة مطالبة بمواصلة تطوير الخدمات وترسيخ العدالة ورفع كفاءة الأداء والشفافية في اتخاذ القرار، مثلما يُنتظر من المواطن الالتزام والمشاركة الإيجابية والحفاظ على المال العام واحترام القانون. وعندما يؤدي كل طرف دوره تتحول التنمية من مشروع حكومي إلى مشروع وطني يشارك فيه الجميع.. إن بناء الإنسان يظل الإنجاز الأكبر في أي دولة تسعى إلى المستقبل. فالمباني يمكن أن تشيد والمعدات يمكن أن تستورد أما الإنسان الواعي فلا يصنع إلا بالتعليم الجيد، والإعلام المسؤول والأسرة الواعية والقدوة الحسنة. وعندما تتكامل هذه العناصر يصبح المجتمع أكثر قدرة على مواجهة التحديات وأكثر استعدادا لاستثمار كل فرصة متاحة…إن المستقبل لن يكون من نصيب الدول التي تبني أكثر فقط بل من نصيب الدول التي تحسن إدارة ما تبنيه وتحافظ عليه وتغرس في أبنائها أن الحقوق لا تنفصل عن الواجبات وأن التنمية ليست مسؤولية حكومة وحدها كما أنها ليست مهمة المواطن وحده وإنما هي عقد شراكة يقوم على الثقة، والالتزام، والوعي.. وفي النهاية تبقى الحقيقة الأهم أن التنمية لا تبدأ من الموازنة العامة ولا تنتهي عند افتتاح مشروع جديد بل تبدأ من الإنسان. فإذا كان الوعي هو العقل الذي يرشد الطريق فإن المسؤولية هي اليد التي تحفظ الإنجاز. وحين يجتمع الاثنان تتحول التنمية من هدف نسعى إليه إلى واقع نعيشه ومن مشروع مؤقت إلى نهج تبنى به الأوطان وتزدهر به المجتمعات.

















