في كل عام، ومع اقتراب ذكرى ثورة يناير المجيدة ، تعود إلى الواجهة حالة من القلق والترقب في المشهد العام. هذا القلق لا يرتبط فقط بالذكرى ذاتها، بل بما تحمله من رمزية عميقة في وجدان المصريين، وبما تعكسه من مطالب لم تكن عابرة أو طارئة، بل كانت وما زالت جوهرية: العيش، والحرية، والعدالة الاجتماعية، والكرامة الإنسانية. هذه المطالب لم تكن شعارات عاطفية، وإنما تعبيرًا صادقًا عن احتياجات مجتمع بأكمله.
إن الخوف من عودة الجماهير إلى الشوارع لا يجب أن يُقابل بإجراءات أمنية أو محاولات احتواء شكلية، بل بفهم حقيقي لأسباب الغضب الشعبي. فالتاريخ القريب يؤكد أن الشعوب لا تثور حبًا في الفوضى، ولا رغبة في الهدم، وإنما حين تضيق بها سبل العيش، وتغلق أمامها أبواب الأمل، وتغيب عنها العدالة. من هنا، فإن الطريق الحقيقي لتجنب أي انفجار شعبي جديد لا يمر عبر القمع أو التجاهل، بل عبر المعالجة الجذرية للأزمات المتراكمة.
إن توفير العيش الكريم للمواطن لم يعد ترفًا سياسيًا، بل ضرورة وجودية. فارتفاع الأسعار، وتآكل الدخول، وتراجع مستوى الخدمات الأساسية، كلها عوامل تُراكم الإحباط وتزيد من شعور المواطن بعدم الأمان. إلى جانب ذلك، تبقى الحريات العامة، وحرية التعبير، واحترام الرأي الآخر، من الركائز الأساسية لأي استقرار حقيقي. فلا يمكن لمجتمع أن يستقر طويلًا وهو يشعر بأن صوته غير مسموع أو أن مشاركته في الشأن العام شكلية.
أما العدالة الاجتماعية، فهي التحدي الأكبر والأكثر إلحاحًا. العدالة لا تعني فقط توزيعًا أكثر إنصافًا للثروة، بل تعني تكافؤ الفرص، وسيادة القانون، ومحاسبة المقصرين دون تمييز. حين يشعر المواطن بأن القانون يُطبق على الجميع، وأن جهده لا يضيع سدى، تتراجع مشاعر الغضب، ويحل محلها الإحساس بالانتماء والمسؤولية.
إن المرحلة الراهنة تمثل فرصة مهمة أمام النظام الحاكم لاتخاذ إجراءات استباقية حقيقية، تعيد بناء الثقة بين الدولة والمجتمع. فالثقة هي خط الدفاع الأول ضد الفوضى، وهي الضمانة الأهم للاستقرار. تجاهل الأسباب الحقيقية للاحتقان قد يقود إلى سيناريوهات لا يتمناها أحد، وقد تدخل البلاد في دوامة يدفع ثمنها الجميع.
ختامًا، يبقى الرهان الحقيقي على الحكمة، وعلى قراءة واعية لدروس الماضي. فمصر تستحق مستقبلًا آمنًا ومستقرًا، يقوم على العدالة والحرية والكرامة الإنسانية. حفظ الله مصر وشعبها، وجنبها كل سوء، ولتبقَ دائمًا حرة مستقلة، قوية بإرادة أبنائها.

















