تقرير: ضحى ناصر
في لحظة فارقة تتزامن مع الذكرى الخامسة والثلاثين لإعلان استقلال أوكرانيا (24 أغسطس 1991)، بعثت ثلاثون دولة أوروبية تنضوي تحت لواء“تحالف الراغبين” – برئاسة مشتركة بين بريطانيا وفرنسا وألمانيا – بعدد من الرسائل الاستراتيجية المتقاطعة. حيث تتجاوز هذه الرسائل حدود الدعم التكتيكي المعتاد لكييف لتصل إلى إعادة رسم معالم الانخراط الأوروبي المباشر في مواجهة موسكو.
إذ يعكس هذا الاجتماع تحولاً نوعياً في العقيدة الأمنية القارية التي باتت تنظر إلى الصمود الأوكراني باعتباره الخط الدفاعي الأول عن أمن أوروبا القومي، لا سيما في ظل تصاعد حدة الحرب وضبابية الموقف الأمريكي في عهد دونالد ترامب.
نقل التقنية وتوطين التصنيع: التصعيد البريطاني الأبرز
شهد الاجتماع خطوة استراتيجية غير مسبوقة تمثلت في إجازة رئيس الوزراء البريطاني، آندي بورنام، لشركة “إم بي دي إيه” (MBDA) للصناعات الدفاعية مشاركة معلومات سرية تتعلق بمكونات صاروخ “سكالب” (SCALP) المجنّح البعيد المدى مع الجانب الأوكراني، الهدف من هذا الإجراء هو تأسيس مراكز إنتاج محلية الصنع داخل الأراضي الأوكرانية، وهو ما يُعد انتقالة جوهرية من نموذج “تزويد السلاح” إلى “توطين التصنيع العسكري الحربي“.
واعتبر بورنام هذه المواجهة أشبه بالمعركة الأوروبية ضد النازية خلال الحرب العالمية الثانية، مؤكداً أن أوكرانيا ليست عبئاً أمنياً بل خط جبهة يدافعن القارة.
على الجانب الأخر فقد أثار هذا الإعلان غضباً واستياءً شديدين في الكرملين؛ إذ اتهمت موسكو لندن بـ “صُب الزيت على النار بشكل منهجي” وتدمير فرص الحل السياسي، مهددة بأن الجيش الروسي سيحدد مواقع هذه المصانع ويستهدفها بالتدمير، وذلك بعد تحذيرات سابقة بشأن استخدام مسيّرات بريطانية الصنع في ضرب أهداف داخل العمق الروسي.
معضلة الدفاع الجوي والفجوة الأمريكية
وعلى الرغم من تعهد الاتحاد الأوروبي بصرف دفعة دعم جديدة بقيمة (6.1 مليارات يورو) لتعزيز القدرات الصاروخية ومخزونات الذخيرة، يكشف الواقع الميداني عن تناقض حاد بين الإرادة السياسية الأوروبية والمقدرات العسكرية المتاحة على الأرض.
فقد أكد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن إمدادات صواريخ “باتريوت” الحيوية تراجعت بنحو “النصف” منذ عام 2023. ويعود هذا التراجع الشديد إلى الضغوط العسكرية المتزايدة على الولايات المتحدة وانشغالها بالصراعات والإمدادات في الشرق الأوسط (لا سيما الحرب مع إيران)، فضلاً عن التحفظ الأمريكي في تزويد كييف بالمزيد منها.
الأمر الذي جعل المدن الأوكرانية عرضة لضربات صاروخية يومية، مما يفسر تركيز زيلينسكي المتواصل على جعل الصواريخ الاعتراضية الأولوية المطلقة لدولته.
التحذير الفرنسي وتكثيف الضغط الاقتصادي
من جانبه، رسم الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، صورة واقعية لمستقبل الصراع، متوقعاً تصاعد الاستفزازات والعمليات الروسية ضد دول حلف شمال الأطلسي (الناتو) بهدف إرهابها وثنيها عن دعم كييف، داعياً الدول الأوروبية إلى “الالتزام بالهدوء ومواصلة الحياة بشكل طبيعي“.
وفي إطار أدوات الضغط غير العسكرية، اتفق أعضاء “تحالف الراغبين” على تكثيف التضييق الاقتصادي على روسيا عبر استهداف “الأسطول الشبح” الذي تستخدمه موسكو للالتفاف على العقوبات وتصدير نفطها لتغذية خزينتها الحربية.
كما أكد “تحالف الراغبين” في بيان أن العواصم الأوروبية حسمت خيارها بالانخراط في مواجهة استنزاف طويلة الأمد لحماية أمنها القومي،بصرف النظر عن التهديدات المباشرة الصادرة من موسكو.
ولكن مع ذلك يرى المراقبون أن الرهان الأوروبي على نقل التكنولوجيا وزيادة التمويل يظل مرتبطًا بقدرة هذه الدول على سد الفجوة الهيكلية الكبيرة التي تركها الانكفاء والتراجع الأمريكي في ملف الدفاع الجوي.





















