تأتي الانتخابات الداخلية لبعض الأحزاب السياسية هذا العام بينما تواصل المعارضة رفع خطابها المعتاد عن ضرورة تداول السلطة، واحترام القواعد الديمقراطية وكأن هذا المبدأ موجه للآخرين فقط وللسلطة وحدها ولا يمر أبدًا عبر مقرات الأحزاب نفسها التي يفترض أنها حاضنة هذا الخطاب وحارسة معناه، والتي تُدار في كثير من الأحيان بالمنطق ذاته الذي تدعي معارضته بل ربما بصورة أكثر فجاجة.
أمس شهد حزب الوفد انتخابات داخلية جرت في أجواء تنافسية حقيقية انتهت بفوز الدكتور السيد البدوي رئيس الحزب الأسبق عبر صندوق الاقتراع لا عبر التعيين ولا من خلال توافقات مغلقة، وبغض النظر عن الموقف من الرجل أو من تجربته السابقة فإن ما جرى يظل استثناءً لافتًا في مشهد حزبي اعتاد الخوف من المنافسة أكثر مما اعتاد ممارستها فالانتخابات أُجريت والسباق كان مفتوحًا والنتيجة حُسمت بإرادة الأعضاء لا بقرارات فوقية.
غير أن هذا المشهد الإيجابي يصطدم بواقع أكثر قتامة في أحزاب أخرى تستعد لانتخاباتها الداخلية حيث لا تُدار المعارك بالصندوق ولا بالبرامج وإنما بالإقصاء المسبق والفصل والتجميد وإغلاق الأبواب خوفًا من أي منافسة حقيقية، ففي أحزاب ترفع شعار الديمقراطية جرى فصل أعضاء فاعلين قبيل الانتخابات لا لشيء سوى لأنهم يملكون حضورًا أو رأيًا أو فرصة حقيقية لتهديد القيادة القائمة.
لم تعد هذه الوقائع حالات فردية أو أخطاء تنظيمية عابرة بل تحولت إلى نمط متكرر تفسر فيه اللوائح على هوى من يملك القرار وتُعاد هندسة القواعد التنظيمية لضمان نتيجة واحدة مسبقًا ويصور أي طموح سياسي أو محاولة للتغيير باعتبارها خروجًا على الانضباط التنظيمي يستوجب العقاب لا النقاش وكأن المشكلة ليست في ضعف القيادة بل في وجود من يجرؤ على منافستها.
هنا لا نتحدث عن أزمة إدارية بل عن منطق كامل يحكم بعض الأحزاب من الداخل منطق يرى في الحزب ملكية خاصة وفي القيادة وضعًا أبديًا وفي الانتخابات خطرًا يجب تحييده لا فرصة للتجديد وهكذا تتحول الأحزاب من مدارس مفترضة للديمقراطية إلى نماذج مصغرة للاستبداد تمارس ما تدعي محاربته وتخشى التداول أكثر مما تخشاه غيرها.
والأخطر أن هذه الممارسات لا تدمر الأحزاب وحدها بل تُفقد المعارضة مصداقيتها أمام المجتمع فكيف يمكن لقوى سياسية تطالب بتداول السلطة أن ترفضه داخل صفوفها وكيف يمكن إقناع المواطنين بالديمقراطية بينما يُعاقَب من يحاول ممارستها فعليًا، إن إفساد الحياة الحزبية بهذه الصورة يمنح أفضل الذرائع لتهميش المعارضة ويحولها في نظر الرأي العام إلى صراع على مواقع لا مشروع له ولا أفق.تداول السلطة ليس شعارًا يُكتب في البيانات ولا مطلبًا يوجة للخارج فقط بل هو اختبار أخلاقي وسياسي يبدأ من داخل الأحزاب نفسها ومن يعجز عن اجتيازه في بيته التنظيمي لا يملك رفاهية المطالبة به على مستوى الدولة، وإذا كانت انتخابات الوفد أمس قد فتحت نافذة أمل صغيرة فإن إصرار أحزاب أخرى على الفصل والإقصاء والتوريث يفرض سؤالًا صادمًا لا يمكن تجاهله هل تخشى بعض قوى المعارضة من الديمقراطية أكثر مما تخشاها غيرها؟






















