لا شيء أكثر قسوة من أن يعيش الإنسان الحرب، ثم يجد نفسه يواجهها وحده بينما تتجه أنظار العالم إلى حروب وأزمات أخرى، ففي غزة، لا تتوقف المعاناة بتغيّر عناوين الأخبار؛ فالقصف مستمر، والنزوح لا ينتهي، والجوع والمرض يطاردان العائلات، وأطفال حُرموا من مدارسهم ومنازلهم، فيما تستعد خيام النازحين المهترئة لمواجهة شتاء جديد، وبينما تتصدر تطورات الأزمة السعودية اليمنية، والتوترات بين إيران والولايات المتحدة، وغيرها من صراعات المنطقة، المشهد السياسي والإعلامي، تتراجع غزة إلى خلفية المشهد، رغم أن أهلها ما زالوا يعيشون تفاصيل الحرب نفسها يومًا بعد يوم.
وفي محاولة للبحث عما يحدث خلف العناوين التي تتصدر نشرات الأخبار، تواصل موقع «الحرية» مع خبراء ومحللين وصحفية فلسطينية ومراسلة من داخل غزة، لرصد واقع المدنيين في القطاع وما يواجهونه من قصف ونزوح وتدهور في مقومات الحياة، والوقوف على تأثير تراجع التغطية الإعلامية والاهتمام الدولي بالقضية الفلسطينية، في وقت تتزاحم فيه أزمات المنطقة على صدارة المشهد، إلى جانب البحث في تداعيات استمرار هذا التراجع على حضور غزة في الأجندة السياسية والإعلامية، وهل يمكن أن تتحول معاناة أكثر من مليوني إنسان إلى مشهد عابر وسط زحام الأزمات؟.
من داخل غزة.. شهادة على كابوس إنساني مستمر
ومن داخل القطاع، تنقل الصحفية الفلسطينية آية جودة، مراسلة وكالة «تسنيم» الدولية للأنباء في غزة، صورة مباشرة لما يعيشه السكان، قائلة إن الواقع في غزة اليوم لا يمكن اختصاره بكلمات أو اختزاله في عناوين إخبارية عابرة، موضحة أن ما يعيشه الناس هناك هو «كابوس إنساني مستمر يتجاوز حدود الوصف»، في ظل تحول بوصلة الإعلام الدولي والتغطيات الصحفية نحو تصعيدات إقليمية جديدة في المنطقة.

وأوضحت جودة أن أهل غزة يواجهون قدرهم في ظل حالة من التهميش الإعلامي والتراجع في الاهتمام الدولي، مشيرة إلى أن حقيقة الوضع في القطاع تتلخص في «الاستمرار الفعلي لكافة أشكال المعاناة»، وواصفة ما يحدث بأنه «عملية إبادة وتدمير ممنهج لمقومات الحياة الأساسية».
وقالت إن القصف والاستهدافات للأطفال والنساء تحديدًا لم تتوقف، إلى جانب استمرار العمليات العسكرية، موضحة أن الواقع الميداني يشهد يوميًا استهدافًا للمنازل والأحياء السكنية ومراكز الإيواء، ما يجعل الأمان مفهومًا غائبًا تمامًا عن كل عائلة في قطاع غزة.
وعن واقع الأطفال، أوضحت جودة أنهم يعيشون «الظروف الأكثر قسوة»، موضحة أن مئات الآلاف منهم حُرموا من حقهم الأساسي في التعليم بعد تدمير المدارس والجامعات أو تحويلها إلى مراكز إيواء مكتظة بالنازحين.
وأضافت أن الأطفال يواجهون صدمات نفسية عميقة، وسوء تغذية حاد، ونقصًا شديدًا في الرعاية الصحية والمطاعيم الأساسية.
وعن أوضاع العائلات، أوضحت جودة أن العائلات تعيش حالة نزوح مستمرة بلا استقرار، «من خيمة إلى خيمة»، في ظل شح شديد في المياه الصالحة للشرب والغذاء والدواء، وانعدام أدنى مقومات النظافة والرعاية الطبية، مشيرة إلى أن الفئران والحشرات تقتحم خيامهم وتعيش معهم وتأكل من طعامهم، بينما «هم لا حول لهم ولا قوة».
وحذرت جودة من كارثة دخول فصل الشتاء والبرد القارس، موضحة أن الخيام المصنوعة من قماش اهترئ واحترق من حرارة الصيف لا تقي من البرد ولا تمنع دخول مياه الأمطار.
واختتمت جودة بالإشارة إلى أن ذلك يعيد مجددًا مأساة «غرق الخيام» في قطاع غزة.
محمد الجوهري: لا تسمحوا بتحويل غزة إلى قضية مؤجلة
وأوضح الكاتب الصحفي محمد الجوهري أن تعدد الملفات قد يجعل القضية الفلسطينية تفقد جزءًا من أهميتها في المشهد، إلا أن معاناة الفلسطينيين لا تصبح أقل إلحاحًا، مؤكدًا أن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في تراجع العناوين الإخبارية، وإنما في تحول الأزمة من قضية سياسية تتطلب حلولًا ومحاسبة وضمانات دولية إلى ملف إنساني يُدار من خلال المساعدات الطارئة دون معالجة أصل الصراع.

وشدد على أن المطلوب هو «ألا تسمح كثرة الأزمات بتحويل غزة إلى قضية مؤجلة»، بل يجب أن تظل ضمن أولويات الجهود السياسية الرامية إلى حماية المدنيين وتحقيق حل عادل ومستدام.
وأوضح أن الإنسان الذي فقد منزله أو أحد أفراد أسرته أو القدرة على الحصول على العلاج والغذاء «لا تتغير احتياجاته لمجرد أن أزمة أخرى تتصدر الأخبار».
واعتبر الجوهري أن «قضية الاعتياد على المأساة الإنسانية» من أخطر القضايا التي تواجه الإعلام المعاصر، موضحًا أنه عندما تتكرر مشاهد القصف والدمار والضحايا بصورة يومية، قد يتعرض الجمهور لما يمكن تسميته بالإرهاق من متابعة الأخبار، وتصبح الأخبار الصادمة المتكررة أقل قدرة على جذب الانتباه مقارنة بالحدث الأول لهذه المأساة.
أسامة حمدي: القضية لم تُنسَ لكنها تراجعت إعلاميًا
وقال أسامة حمدي، الخبير في سياسات الشرق الأوسط، إن القضية الفلسطينية لم تُنسَ، لكنها تراجعت نسبيًا في المشهدين السياسي والإعلامي، ولم تعد في صدارة نشرات الأخبار والتغطيات الإعلامية أو على أجندة السياسيين، مشددًا على أنها لا تزال القضية المركزية في العالم العربي والإسلامي، وأنه لا سلام في منطقة الشرق الأوسط دون حل عادل للقضية الفلسطينية.

وأشار إلى أن الإعلام يركز عادة على القضية المسيطرة على المشهد، لافتًا إلى أن تطورات الملف الإيراني، والتوترات في جنوب لبنان، والتطورات في سوريا، وأخيرًا التطورات في اليمن والصراع مع السعودية، سيطرت على أجندة الاهتمام السياسي والإعلامي الدولي، وهو ما أدى إلى تراجع الاهتمام بالقضية الفلسطينية نسبيًا.
وشدد الخبير في سياسات الشرق الأوسط على ضرورة أن تعود وسائل الإعلام إلى الاهتمام بالقضية الفلسطينية، وألا تركز على الأرقام فقط، وإنما تتناول الواقع المعاش والمعاناة الإنسانية في فلسطين، حتى لا يتحول الإنسان إلى مجرد رقم، مع التعمق في تفاصيل معاناته الإنسانية لإحداث الأثر الإعلامي المطلوب لدى المشاهدين.
طلعت طه: «إغفال الإعلام يقتل القضايا»
وقال طلعت طه، المحلل السياسي وخبير الشؤون العربية، إن غزة «منسية تماماً»، مشيرًا إلى أن الأنظار تتجه حاليًا إلى ما يحدث في لبنان واليمن وإيران، والحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، بينما تراجعت القضية الفلسطينية عن صدارة المشهد.

وأوضح طه أن «السياسة تتبع الأضواء، أو تتبع الضغط والتصعيد»، مضيفًا أن ما يحدث في المنطقة من أزمات يهدد الاقتصاد ولقمة العيش والشركات والمصانع، بينما «الإنسانية لا يهتم بها أحد في السياسة».
وقال: «إغفال الإعلام يقتل القضايا»، مستشهدًا بقضايا فنزويلا والصومال والسودان، التي قال إن الاهتمام بها تراجع بسبب ابتعاد الإعلام عنها، مضيفًا أن الإعلام العالمي ومعظم الإعلام العربي ابتعد عن القضية الفلسطينية واتجه إلى إيران وأمريكا.
ودعا إلى إعادة التركيز على القضية الفلسطينية، قائلًا: «يجب أن يتم التركيز على القضية الفلسطينية مرة أخرى وأن يكون صوتها عالي حتى لو كانت أصوات منفردة وضعيفة ولكن هناك أصوات قوية».
وفي ختام حديثه، دعا طه وسائل الإعلام والأسر إلى تخصيص مساحة ثابتة للقضية الفلسطينية، قائلًا: «خصصوا صفحة في صحفكم، في قنواتكم، في بيوتكم، اسمه ركن فلسطين».





















