كانت الثانوية العامة هي الفيصل في مستقبل الأجيال حيث تمثل فرصة متساوية في تكافؤ الفرص وظلت هكذا أجيال متعاقبة، إلى أن ظهر شاومنج والغش الجماعي ولجان الأكابر والوسائل الحديثة في الغش والسماعات الداخلية، وبرغم هذا وذاك، ظلت الثانوية العامة آخر مانتمسك به من معايير العدالة الاجتماعية، وهي أحد الأهداف الستة لثورة يوليو 1952.
وظلت الأجيال تتمسك بالمجموع النهائي لدخول كليات القمة وهما الطب والهندسة عندما كنا نبني دولة العلم، ولكن ظهرت الكليات الخاصة وقبلنا بها على مضض، كحل لازمة التعليم، وزيادة أعداد الطلاب وعدم كفاية كليات الدولة لاستيعاب الأعداد الكبيرة كنتيجة للزيادة السكانية، وكان الشرط أن تكون لكل كلية طب جديدة مستشفى لتوفير التعليم، والتدريب.
ورويدا رويدا تم التنازل عن هذا الشرط أمام تدريب الطلاب في المستشفيات الجامعية او التعليمية وهذا أمر اثبت فشله لأن الكليات لديها أعداد كبيرة أيضا خاصة بعد استحداث الجامعات الأهلية لكل جامعة حكومية تقريبا ولكن ما زالت المعايير شبه متوازنة وخاصة عندما تم الغاء كلية طب ليس لديها مستشفى وتم تحويل طلابها إلى أقرب كلية طب وحتى عندما ظهرت في الأفق كلية الطب العسكرية تمسكت بالمعايير من حيث المجموع الذي لايقل عن 90% ووجود مستشفى تعليمي.
فمازال الطالب المتفوق هو الذي يلتحق بكلية الطب التي تحتاج إلى طالب من نوع خاص تكون لديه المقدرة على القراءة، والبحث والتعليم، لساعات طويلة وسنوات أطول فهو يتعامل مع جسم إنسان وأرواح لا تعوض وليست ماكينة، اذا تعطلت أو احترقت يمكن استبدالها.
لكن مرة أخرى.. أن تظهر كلية لفرع لجامعة روسية أو أوكرانية تقبل الطلاب بكلية الطب بـ50% فهذا عوار بيّن فما زال الطبيب المصري مقبولا في كل الدول العربية والأجنبية بعد عمل إختبار.
علما بأن هذا الإجراء لم يكن شرطا منذ عقدين، وإذا اعتبرنا أن الاطباء “سلعة” يمكن تصديرها تدر عملة صعبة وتزيد حصيلة تحويلات المصريين بالخارج فهذا لن يحدث أيضا برغم اعتراضنا عليه.. لأن بعض الدول أصدرت تصريحات تبدي استيائها من قبول طلابها في مصر بمجموع متدني وأنها لن تعترف بشهاداتهم.
وهنا لابد لنا من وقفة فمصر التي علمت الدنيا الطب منذ العصر الفرعوني ومصر التي علمت كل أبناء الوطن العربي ومصر التي أرسلت بعثاتها التعليمية ونقلت الشعوب من غياهب الجهل إلى نور العلم.. لايجب أن تنزلق إلى هذا الدرك من أجل حفنة دولارات، فتفتح أبواب كليات الطب لأبناء الأثرياء على حساب سمعتها وتسلم أرواح الشعب لطلاب ربما يكونوا بالفعل من راسبي الثانوية إكلينيكيًا وحصلوا على الـ50% بعد استخدام كل الوسائل فليس من المعقول أن يكون هذا الطالب أصبح عبقريًا فجأة.
ولا اعرف من الذي وافق على هذه الكلية وهذه المعايير؟، وهل وافق عليها القطاع الطبي بالمجلس الأعلى للجامعات؟، ولا أظن ذلك أبدا وأعلم أن نقابة الأطباء ترفضها شكلا وموضوعا، إنها ضرر بالغ بالطب والتعليم وسمعة مصر وخطر بالغ على المجتمع، وهدم لكل معايير العدالة التعليمية.
لذلك أتوجه بطلب ورجاء لسيادة الرئيس أن يتدخل شخصيًا كما عودنا دائما ان يتدخل في الوقت الصحيح، لوقف هذا التوجه الذي يأخذنا الغى منحنى خطير.. فصحة المواطن أمن قومي والتعليم الطبي رأس مال مصر ورصيدها الذي سنحتفل العام القادم بمرور قرنين من الزمن على أول كلية طب في الوطن العربي.
ياسادة ليس هكذا تورد الإبل، ولا تقولوا إنه أفضل لنا من أن يذهبوا إلى هناك ويعودوا بالبكالوريوس، فمن عادوا لم تعترف بهم نقابة الأطباء ولم نعادل شهادتهم من المجلس الأعلى للجامعات.. لذا أكرر النداء.. سيادة الرئيس من فضلك هذا رجاء واستغاثة من أجل الوطن الذي تحبه ونحبه جميعا.





















