إن أخطر ما ابتُلينا به في هذا الوطن ليس نقص الموارد، ولا شح الكفاءات، وإنما هو داء الاختزال: اختزال المؤسسات في الأشخاص، واختزال التاريخ في لحظة، واختزال الوطن في مشروع فرد.
هذا الداء قديم في تاريخنا، وقد تجلى بأوضح صوره في مجال الفن، فلعقود خلت لم نكن نصنع سينما، بل كنا نصنع نجومًا، فلا بأس من نص هزيل، ولا ضير من إخراج باهت، ما دام “البطل” حاضرًا في كل لقطة، متوهجًا في كل مشهد، وهكذا أنفقنا المليارات على تلميع الأسماء، وأهملنا بناء الصناعة، حتى صار الفن عندنا فردًا، إذا غاب غاب معه كل شيء.
وحين انتقلت هذه العقلية إلى ملاعب كرة القدم، وجدت مناخًا أشد خصوبة، فلم نعد نشجع منتخب مصر، بل أصبحنا نشجع “مشروع محمد صلاح”، ولا ينكر أحد أن صلاح لاعب استثنائي، ومحترف عظيم، ومن حقه الطبيعي أن يسعى إلى مجده الشخصي، ولكن أين كنا نحن من هذا كله؟ لقد سلّمنا بأن لا انتصار إلا به، وأن لا مجد إلا على قدميه، فأطَحنا بالاتحادات، وأقلنا المدربين، وتجرعنا مرارة خسارة نهائي أفريقيا، وذقنا علقم الفشل في التأهل إلى كأس العالم، وكان همنا الأكبر هو “الحفاظ على الحالة النفسية لمحمد صلاح”.
لذلك رأينا الاحتفاء الرسمي بعد الإخفاق، وسمعنا التبرير بعد الهزيمة، إلى أن جاءت لحظة الفصل على يد الأسطورة حسام حسن، فمنذ اللحظة الأولى لتوليه القيادة الفنية، أعاد ترتيب الأولويات ووضع النقاط على الحروف. لم يعد الحديث عن “مشروع صلاح” بل عاد الحديث عن “منتخب مصر”.
ولم تعد الأولوية للحفاظ على نجومية صلاح، بل لبناء روح الفريق وهيبة القميص، فكانت هذه اللحظة بمثابة إعلان نهاية عهد، وبداية عهد جديد، عاد فيه الجمهور يهتف لقميص المنتخب، لا للاسم المطبوع على ظهره.
أما على مستوى السياسة، فلا أتمنى أبدًا أن نقع في هذا الفخ، ولا أتمنى أن يقتنع المصريون يومًا بأن مؤسساتهم عاجزة، أو أن التاريخ قد توقف، أو أن هذا الوطن العظيم لا يملك من أمره شيئًا، ولا أتمنى أن نُصدّق أن كل ما نملكه في هذه الحياة هو “القائد الملهم” وحده.
مصر ليست أمة منهارة، ولا دولة فقيرة. مصر تمتلك كل مقومات نهوضها.. بأي أحد، لكن بشرط واحد: أن نعمل بعقلية المؤسسة، لا بعقلية الفرد، فالأوطان لا تُبنى على أمجاد الأشخاص، بل على صلابة الأنظمة.
في الفن اسمها “صناعة”، وفي الكرة اسمها “منتخب”، وفي السياسة اسمها “دولة”.
ما دمنا نعيش في ظل “النجم الأوحد” سنظل نبدأ من الصفر مع كل رحيل، ولن ننهض إلا حين نفهم أن الوطن أكبر من أي اسم… وأن مصر باقية، والأشخاص زائلون.





















