لكن الأصل أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته، والأصل في الإنسان براءة الذمة.
غياب هذه الأرضية المشتركة هو ما يدخلنا في جدال عقيم لا فائدة منه يختلط فيه من يدافع عن التحرش ومن يدافع عن الإنسان وبراءة ذمته.
الأمر لا يجب أن يكون أبدا انتصار جنسي أو فئوي، بل دفاع عن الحق والعدالة.
العديد من حالات التحرش حدثت خلال الفترة الماضية، والعديد منها شهد رد فعل عنيف تجاه الجاني، وأسبوعيا نرى هذا في المترو.
الذي جعل الواقعة المشهورة كذلك، هو أنها لم تتوقف عند حدود مطالبة العدالة للضحية، بل وصمت المجتمع كله بالمشاركة في الجريمة وتعدت ذلك إلى تبرير انتهاك وتدمير سمعة وحياة إنسان آخر على غير دليل أو بينة أو حتى تثبت.
فيا سادة قبل البدء في تراشق الاتهامات لنضع أولا أرضية مشتركة ولنضبط مصطلحاتنا.
خطاب الكراهية والتطرف لا يجلب سوى الكراهية والتطرف(كل فعل يقابله رد فعل مساوى له في القوة ومعاكس له في الاتجاه) هذا قانون الحركة الثالث لنيوتن.
المشكلة موجودة ولا بد لها من حل والبحث في جذورها وتغليظ عقوبته، وإذا “ثبتت” فكل من يدافع عن المجرم مجرم.
لكن قبل الثبوت يبقى الأمر في خانة الظن، ولا يمكن أن نتشاحن أو نختلف لمجرد الظن.
ومحاولتنا لحل المشكلة لا يجب أبدًا أن تأتي على حساب حق من حقوق الإنسان وهو براءة الذمة، كسر هذا المبدأ في هذا السياق سيكون مقدمة لكسره في سياقات أخرى.
ومجددًا أتمنى أن ندقق في الخطاب والمطالب، فهناك فرق بين من يدافع عن حقوق الضحية ويبحث عن حقوق المرأة، وبين من يبحثون عن انتصارات فئوية حتى ولو على حساب حقوق الإنسان.
وهناك فرق أيضًا بين من يدافع عن حق من حقوق الإنسان وهو أصل البراءة، وبين من يدافع عن فعل إجرامي ويبرر له.
التفريق هنا مهم جدًا حتى لا نهاجم الأشخاص على مواقف هم لا يتبنونها أصلا، وبدلًا من أن نواجه الخطأ، نجد أنفسنا دخلنا في مواجهة طواحين الهواء ونبتعد عن الهدف الأساسي وهو خلق بيئة آمنة للمرأة التي هي “جزء من المجتمع”.
أضف إلى ذلك عزيزي أن توجيه الخطاب وبلورته حول أشخاص، صحيح أنه شعبوي ويعطي انتشارًا لطرحك إلا أنه ينثر الغبار على جوهر الطرح، وبدلًا من أن نتناقش حول قضية، يصبح النقاش حول أشخاص، وحينها يسهل جدًا الابتعاد عن جوهر الطرح.
فلو كنت تبحث فعلًا عن العدالة وما يثير حفيظتك للكلام وللإدلاء بدلوك هو غيرتك على الحق، فحاول أن ترتقي بخطابك بعيدًا عن التراشق الذي يملأ الفضاءات الزرقاء، وناقش الرؤى لا الأشخاص.
فإن رأيت أنهم أدنى من أن تخاطبهم بشكل يليق بك، فدعك من اللعب مع الخنازير في الوحل حتى لا تتسخ.




















