يأتي تصريح الرئيس “عبد الفتاح السيسي”، في “الندوة التثقيفية للقوات المسلحة”، (14 أكتوبر 2026)، والمُقر بأن “للدولة دستور وافقنا عليه، ولا يمسه أحد”، لكي يضع حداً للقلق واسع النطاق، الذي عمَّ الدوائر السياسية، والثقافية، والإعلامية في مصر، بعدما شاعت الدعوة في الأوساط المحسوبة على النظام، ولإسبابٍ غير خافية، إلى “تغيير” بنود محددة في الدستور، الأمر الذي استدعى إلى الذاكرة الوطنية، خبرة “التعديلات” المُشوهة التي أُقحمت على دستور عام 2014، ففرضت إنشاء “مجلس الشيوخ”، ومنحت رئيس الجمهورية سلطة تعيين قيادات الهيئات القضائية، ومُددت الفترة الرئاسية من أربع إلى ست سنوات… إلخ.
ومصدر القلق يكمن في أن مواد الدستور تُحدد طبيعة النظام السياسي للدولة، وتقنن العلاقة بين الحكم والشعب، وتوضح حقوق المواطن التي لا يجوز الاعتداء عليها، وتحمي البلاد من تغول السلطة، وترسم طريق الاستقرار والتقدم للبلاد، ولكل لهذا تمسكنا بدستور 2014 ، رغم امتداد الأيادي المغرضه إليه بالعبث والتجاوز، فقد أقرَّت مواده جانباً مُهماً من مطالب الشعب وثورة يناير 2011، في مقدمتها مبدأ حرية العمل السياسي والتنظيمي السلمي دون تقييد، وانحازت بنوده إلى مبدأ المساواة بين المواطنين، في الحقوق والواجبات، دون تمييز، .. إلخ.
ورغم ذلك، فمن الواجب التأكيد على أن الممارسة العملية بدَّدت الكثير من العناصر الإيجابية في مواد دستور 2014، وعلى سبيل المثال فقد أقر الدستور مبادئ الحريات السياسية حينما جعل تأسيس الأحزاب والنقابات والجمعيات الأهلية بمجرد الإخطار، لكن نصوص القوانين التفًّت على حرية تشكيل كل المنظمات السابقة لكي تجعلها عمليا خاضعة للأذن المُسبق، فتقتصر الحرية فيها على “حرية الإخطار” فقط دون حرية تكوين المنظمات السياسية والنقابية والأهلية، كما أقر الدستور ألا يقل الإنفاق الحكومي على التعليم والصحة والبحث العلمي عن 6 و3 و1% على التوالي، أي لا يقل مجموعها عن 10% من الناتج القومي الإجمالي، ويزيد تدريجيا لكي يصل إلى المُعَدَّلات العالمية التي تبلغ ضعف تلك النسب. إلا أن المبالغ المرصودة للإنفاق الفعلي في موازنة العام الأخير 2026/2027 لم تتعد 3.3% من الناتج المحلي المُتوقع في الموازنة، أي ثُلث الحد الأدنى المفترض!!
إن المطلب المشترك للمخلصين من أبناء الوطن، في مصر اليوم يتعلق بتفعيل الدستور في الممارسة العملية، لا بعدم الالتفاف حوله وحسب، وذلك عبر الوفاء باستحقاقات الصحة والتعليم والبحث العلمي دون تأخير، وبتنفيذ كل بنود حريات التعبير والتنظيم المنصوص عليها في الدستور دون تحايل، والبدء فوراً بإطلاق سراح كل مسجوني الرأي ممن لم تثبت عليهم ـ بدلائل قاطعة ـ ممارسة العنف أو الإرهاب، مع عودة مدة الحبس الاحتياطي إلى 45 يوماً في الجُنح، و3 شهور في الجنايات، ونبذ تُهم “الإرهاب” المًلَفَّقة، بشكل لا يؤدي في الحقيقة سوى توجُّهات ترويع الشعب، وفرض واقع التسلُّط وانتهاك حقوقه الدستورية.





















