لم تكن ليلة الاثنين 28 سبتمبر عادية في بيوت ستة صحفيين مصريين، فمنذ مساء ذلك اليوم بدأت قوة أمنية تطرق الأبواب وتصادر الهواتف وأجهزة الحاسوب الشخصية، وخلال ساعات معدودة تتابعت الوقائع حتى أعلنت منصة متصدقش، بصوت يغلب عليه الذهول أكثر مما تغلب عليه الصيغة المؤسسية، أن كل فريق التحرير في غرفة أخبارها صار قيد الاحتجاز، من دون أن يعلم أحد، لا ذووهم ولا محاموهم ولا نقابتهم، أين يحتجز هؤلاء ولا أي جهة تتولى التحقيق معهم. ولعل أول ما يستوقف المتابع أن الأمر لم يعد يتعلق بكاتب أغضبت مقالته مسؤولًا هنا أو هناك، ولا بصحفي تعثر في قضية نشر عابرة، وإنما بمؤسسة صحفية صغيرة الحجم كبيرة الأثر جرى تفريغها من طاقمها كله في غضون يومين، وهو ما يمنح الواقعة دلالة تتجاوز أسماء المقبوض عليهم إلى سؤال أوسع عن المساحة التي تتركها الدولة لأي صوت يعمل خارج مظلتها.
تقول الروايات المتطابقة التي نقلتها المبادرة المصرية للحقوق الشخصية وصحف عربية ودولية إن البداية كانت مع محمد أشرف وعبدالله قدري، اللذين اقتيدا من منزليهما بعد مداهمة ليلية، ثم لحق بهما إسلام بركات وعمر هلال من محافظتي الغربية وبورسعيد، بينما أوقف محمد عادل ومحمد محمود من أحد شوارع القاهرة، لتكتمل الدائرة عند ستة أسماء هم مجمل العاملين في التحرير. وخلال هذه الساعات كان نقيب الصحفيين خالد البلشي يجري اتصالات مكثفة بوزارة الداخلية وبجهات أخرى في الدولة طلبًا لأي معلومة عن مصير الزملاء، غير أن تلك الاتصالات، بحسب ما أعلنته النقابة، لم تسفر عن شيء، وبقي الصمت الرسمي سيد الموقف قرابة 48 ساعة، وهي مدة تكفي في أي نظام قانوني يحترم نفسه لاعتبار الواقعة احتجازًا خارج إطار الإجراءات، إذ يفترض أن يعرف المقبوض عليه وذووه جهة احتجازه وسبب القبض عليه فور حدوثه لا بعد يومين من التخبط.
ثم جاء بيان وزارة الداخلية يوم الخميس ليكسر الصمت بالطريقة المألوفة نفسها، فقد أعلن ضبط ستة أشخاص وصفهم بأعضاء لجنة إعلامية مرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين، تدير صفحة متصدقش من خارج البلاد عبر شخص مقيم في الخارج يتلقى منهم أخبارًا وصفها البيان بالمغلوطة والمفبركة مقابل تمويل مالي، وأضاف أن واحدًا فقط من الستة مقيد بنقابة الصحفيين وأن الخمسة الآخرين لا يحملون عضويتها.
وينبغي هنا أن نكون منصفين فنقول إن ما ورد في البيان يظل رواية جهة الضبط وتحرياتها، وأن الفصل فيه موكول إلى النيابة والقضاء، لكن الإنصاف نفسه يقتضي أن نقول إن بيانًا كهذا، يصدر بعد يومين كاملين من الغموض، ولا يقدم دليلًا واحدًا ولا يسوق خبرًا بعينه بوصفه مفبركًا، لا يعدو أن يكون إعلان اتهام لا إثبات واقعة. وفي المقابل يقول محامي المبادرة المصرية للحقوق الشخصية إسلام سلامة إن الدفاع توجه إلى مقر النيابة انتظارًا لإحضار الموقوفين فلم يسمح للمحامين بالدخول، وإن الصحفيين لم يعرضوا على نيابة أمن الدولة العليا حتى ذلك الحين.
الرواية الرسمية تحت المجهر
والمدقق في تفاصيل الرواية الرسمية يلحظ تناقضات يصعب تجاهلها، فمنصة تقول الوزارة إنها تدار من الخارج بتوجيه شخص مجهول هي نفسها المنصة التي يعرف الوسط الصحفي محرريها بالاسم والصورة والعنوان، ويقرأ الناس موادها المنشورة، وتتبنى منهجًا معلنًا في التحقق من المصادر والعودة إلى الروابط والوثائق الأصلية.
ثم إن وصف الأخبار بأنها مفبركة لم يقترن بمثال واحد، في حين أن طبيعة عمل المنصة، القائمة على تفنيد الشائعات ومقارنة التصريحات بالأرقام والمستندات، تجعل الخطأ فيها قابلًا للإثبات بسهولة لو وجد، فمن يريد إدانة منصة تدقيق بالتزييف عليه أن يعرض الواقعة المزيفة وأن يثبت زيفها، وهذا بالضبط ما لم يحدث حتى الآن. وقد ردت المنصة بتفنيد خمسة ادعاءات وردت في البيان، منها الارتباط بجماعة الإخوان وإدارتها من الخارج وصلتها بعبدالرحمن منصور الذي وصفه البيان بأنه إخواني هارب، مؤكدة أنها دققت على مدى ثماني سنوات معلومات وتصريحات نشرتها جهات محسوبة على الجماعة نفسها، وفندت مئات المعلومات المضللة التي بثتها وسائل إعلام من خارج مصر، وقال مؤسسها إن السلطات تعلم أنها منصة مهنية غير مرتبطة بالإخوان.
أما قضية التمويل الخارجي فهي الاتهام الذي يحتاج إلى أثقل البراهين، لأنه يحول عملًا مهنيًا إلى جريمة، ولأنه يصدر في أجواء اعتاد فيها الرأي العام على رؤية هذا الوصف يلصق بكل صوت مختلف. وليست تهمة الانتماء إلى الإخوان جديدة على من يتابع ملف الصحافة المستقلة في مصر، فقد صارت أشبه بقالب جاهز تصب فيه وقائع شديدة التباين، حتى تحولت إلى صيغة تغني عن أي نقاش في المضمون، إذ يكفي أن يوسم الصحفي بها ليسقط عنه التعاطف في جزء من الرأي العام وتتراجع الأسئلة عن سلامة الإجراءات. والمفارقة أن منصة متصدقش، منذ تأسيسها عام 2018، بنت سمعتها على التدقيق في ادعاءات الأطراف جميعًا، ولم يعرف عنها أنها تروج لخطاب جماعة بعينها، بل إن القائمين عليها والمنظمات الحقوقية التي دافعت عنها يؤكدون استقلالها المهني. ولا يعني ذلك أن المنصة فوق النقد أو أنها لا تخطئ، فهذا حق القراء والمتخصصين، لكن النقد يكون بالرد والتصويب والتكذيب المسبب أمام الجمهور، لا بمداهمة المنازل في الليل ومصادرة ما فيها.
وما يمنح هذه الواقعة ثقلًا خاصًا هو طبيعة العمل الذي تقوم به المنصة، فالتحقق من الأخبار ليس رأيًا يقال، وإنما عمل يعتمد على الاستقصاء من المصادر المفتوحة ومقارنة ما يقوله المسؤولون بما تقوله الأرقام والوثائق الرسمية نفسها، سواء تعلق الأمر بأعداد اللاجئين أو بكلفة المشروعات الكبرى أو بوقائع المحسوبية والفساد الإداري، وهي ملفات تتطلب أن يكون في المجتمع من يقرأ الأرقام قراءة مستقلة. وقد أشارت تغطيات صحفية إلى أن اعتقال الفريق جاء في وقت كانت المنصة تنشر فيه سلسلة تحقيقات اقتصادية وسياسية تتناول أداء مؤسسات حكومية، ومن غير الممكن الجزم بوجود علاقة سببية بين النشر والتوقيف في غياب أي إعلان رسمي عن الأسباب، لكن التزامن يبقى جديرًا بالتسجيل والمساءلة. وما يخسره الجمهور هنا ليس رأيًا منحازًا آخر، بل خدمة معرفية نادرة تكاد تنفرد بها هذه المنصات.
ومن الإنصاف كذلك أن نقر بأن مكافحة التضليل شاغل مشروع لأي دولة، وبأن الفضاء الرقمي العربي مليء بالشائعات التي تضر فعلًا بالناس والأسواق والسلم الأهلي، وأن للحكومات حقًا في التصدي لها. غير أن الفارق جوهري بين دولة تواجه الشائعة بالمعلومة وتحترم حق الرد والتصويب والتقاضي العلني، ودولة تواجهها بإسكات الجهة التي تتخصص في كشفها. فلو كانت المشكلة في نظر السلطة دقة ما تنشره المنصة، لكان في وسعها نشر الرد والمستند، أو اللجوء إلى القضاء بدعوى علنية يحضرها دفاع المنصة، لا الاستعاضة عن ذلك بحملة مداهمات ليلية. وقد جاءت الواقعة في أسبوع شهد أيضًا تحرك ستة من المقررين الخاصين في الأمم المتحدة لطلب إيضاحات من القاهرة بشأن احتجاز الصحفي إسماعيل الإسكندراني ووالد الباحث سيف الإسلام عيد، فبدت الصورة الدولية مثقلة بسجل لا تنقصه الشواهد.
ثغرات القانون ودائرة الحبس الاحتياطي
ولا تنفصل الوقائع عن البيئة التشريعية التي تحيط بها، فقانون تنظيم الصحافة والإعلام الصادر عام 2018 أخضع الحسابات والمواقع الشخصية التي يتجاوز متابعوها خمسة آلاف لرقابة المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، وأجاز حجبها، كما أرسى نظام تراخيص يجعل بقاء أي منصة جديدة رهينًا بموافقة إدارية قلما تمنح لمن لا تتوافق خطوطه مع المزاج العام. وهكذا تجد المنصات المستقلة نفسها أمام معادلة محكمة، فإذا طلبت الترخيص قوبل طلبها بالتجاهل أو بشروط تعجيزية، وإذا عملت من دونه قيل إنها صفحة مشبوهة على وسائل التواصل لا كيان صحفي يتمتع بحماية، وإذا غاب أعضاؤها عن عضوية النقابة، وهي عضوية ترتبط عادة بالعمل في مؤسسة مرخصة، قيل إنهم ليسوا صحفيين أصلًا. دائرة مغلقة يصنع فيها القانون الثغرة ثم يستعملها ضد من وقع فيها. وحتى لو سلمنا جدلًا بأن المنصة مخالفة لشروط الترخيص، فإن الجزاءات المقررة لذلك إدارية ومالية في جوهرها، ولا تبرر القبض الجماعي والحجز في أماكن مجهولة.
وإذا انتقلنا من الاتهام إلى الإجراء فإن أخطر ما يخشاه الحقوقيون هو المسار الذي تسلكه قضايا من هذا النوع، إذ يبدأ بالاختفاء المؤقت ثم العرض على النيابة ثم قرار بالحبس الاحتياطي لمدد قابلة للتجديد، ثم تتحول الوسيلة التي يفترض أن تكون استثناءً إلى عقوبة سابقة على المحاكمة، تمتد شهورًا وربما سنوات، وتتغير فيها أرقام القضايا وأوصافها فيما عرف بالتدوير. وليس هذا المسار افتراضًا نظريًا، فقد وثقت منظمات حقوقية وصحفية دولية حبس صحفيين مصريين لسنوات في قضايا نشر أو انتماء، حتى صارت مصر تذكر في تقارير حماية الصحفيين ضمن الدول الأكثر سجنًا لهم. وبهذا المعنى يؤدي الحبس الاحتياطي وظيفة لا تقل أهمية عن الحكم نفسه، لأنه يشل المؤسسة ويعزل أصحابها ويرسل رسالة إلى كل من يفكر في الاقتراب من الملفات ذاتها.
ولا يمكن فهم ما جرى هذا الأسبوع بمعزل عن تاريخ طويل من التضييق على المنصة، فقد تعرضت متصدقش لحملات تشويه إلكتروني منظمة، وتوثق منظمات حقوقية القبض عام 2023 على أحد محرريها، كريم أسعد، على خلفية تغطية قضية طائرة زامبيا، والإفراج عنه بعد 48 ساعة، وتفيد روايات بأنه أجبر على حذف ما نشره. وهي واقعة تكشف سياسة تدرج واضحة، بدأت بتشويه السمعة وانتقلت إلى الضغط على الفرد ثم بلغت حد تصفية الطاقم بالكامل، وهي سياسة تعمل بمنطق الغليان البطيء، حيث لا ترتفع الحرارة فجأة بما يستفز الرأي العام الدولي، بل تزداد درجة بعد درجة حتى يعتاد الجميع، وحتى يغدو ما كان مرفوضًا بالأمس ممكنًا اليوم.
والنتيجة المقصودة ليست محاكمة هؤلاء الستة فحسب، بل رفع كلفة المهنة على كل من يفكر في ممارستها خارج السقف المسموح، فيتحول الصحفي إلى رقيب على نفسه قبل أن يطلب منه أحد ذلك.
تضامن نقابي وتنديد دولي وأسئلة معلقة
وقد طالبت لجنة الحريات في نقابة الصحفيين بالإفراج الفوري عن الزميلين محمد أشرف وعبدالله قدري منذ الساعات الأولى، وذكرت أن منزل أولهما فتش وكسرت محتويات غرفته قبل اقتياده، وكلف النقيب خالد البلشي إدارتها القانونية بمتابعة الموقف لحظة بلحظة، ثم دعت أعضاء جمعيتها العمومية إلى التجمع في مقرها عقب بيان الداخلية. وهي مواقف تستحق التقدير، لكنها تواجه حقيقة أن البيان الرسمي حاول، عبر الإشارة إلى أن واحدًا فقط من الموقوفين مقيد في جداولها، أن يوحي بأن الواقعة لا تعني الجماعة الصحفية، وهي حيلة قديمة تقسم الصحفيين إلى مقيدين وغير مقيدين لتفتيت التضامن معهم.
ولذلك جاءت دعوة المنصة الصحفيين، نقابيين وغير نقابيين، إلى الاعتصام في مقر النقابة غدًا السبت للمطالبة بالإفراج الفوري عن زملائهم والكشف عن أماكن احتجازهم وتمكينهم من محاميهم وذويهم، ردًا مباشرًا على هذا التقسيم.
ويلفت النظر أن النقابة كانت قد أعلنت قبل أيام مناقشة مفتوحة في اليوم نفسه، الخامسة مساء السبت، حول الحماية النقابية لممارسي المهنة الحقيقيين وإجراءات صارمة للعضوية تتصدى للمنتحلين، ومن المفهوم أن تسعى النقابة إلى تنظيم المهنة، غير أن للتوقيت حساسية، إذ ينبغي ألا يفهم الحديث عن المنتحلين على أنه تبرير ضمني لترك غير المقيدين بلا مظلة.
وعلى الصعيد الدولي لم تتأخر ردود الفعل، ففي 30 سبتمبر وقعت منظمات حقوقية وإعلامية بينها مراسلون بلا حدود والمادة 19 والشبكة الأورومتوسطية لحقوق الإنسان بيانًا مشتركًا يدين الحملة الأمنية ويطالب بالإفراج عن الصحفيين الستة، وأورد البيان أن الضباط صادروا هواتف وحواسيب بعضها يخص أفراد أسر الصحفيين ورفضوا إبراز إذن قضائي أو الإفصاح عن وجهة اقتيادهم، كما طالبت لجنة حماية الصحفيين بالإفراج عنهم وذكرت أن تسعة عشر صحفيًا آخرين يقبعون خلف القضبان في مصر. وهذه البيانات، على أهميتها، تكشف مفارقة مؤلمة، فهي تتشابه في صيغتها مع نداءات سابقة لم تغير مسار قضايا كثيرة، ما يعني أن قيمتها تكمن في توثيق الانتهاك وحفظ الذاكرة وتوفير سند معنوي للأسر والمحامين أكثر من قدرتها على إلزام جهاز أمني اعتاد أن يتعامل مع الإدانة الخارجية بوصفها تدخلًا في الشأن الداخلي.
ويبقى الرهان على أن يتحول التنديد من بيانات متفرقة إلى ضغط دبلوماسي متواصل يربط علاقات القاهرة الاقتصادية والسياسية بسجلها في ملف الصحافة.
تبقى في النهاية أسئلة معلقة ينتظر الرأي العام أجوبتها لا من البيانات بل من أوراق التحقيق: ما التهمة بالضبط، وما الأدلة، ولماذا لم يعلن مكان الاحتجاز في الساعات الأولى، ولماذا لا يسمح للمحامين بحضور الاستجواب منذ اللحظة الأولى، وهل ستعرض النيابة على المحكمة نماذج الأخبار المفبركة المزعومة؟ وإلى أن تتضح هذه الإجابات يظل المنطق السليم يقول إن إغلاق غرفة أخبار بكاملها، بغض النظر عن موقفنا من خطها التحريري، فعل يضر المجتمع قبل أن يضر أصحابها، لأن الخاسر الأكبر هو القارئ الذي سيجد نفسه بين روايتين، إحداهما رسمية لا تحاسب والأخرى شائعة لا يحاسبها أحد.
وقد قالت المنصة إنها ستواصل عملها رغم مصادرة المعدات، لكن الاستمرار بلا صحفيين وعد صعب التحقق، ولذلك يكتسب اعتصام الغد في مقر النقابة قيمته، فهو اختبار لقدرة الجماعة الصحفية على تجاوز الانقسام بين المقيدين وغيرهم، ولقدرة النقابة على أن تكون المظلة التي تصف نفسها بها، فالدفاع عن هؤلاء الستة ليس دفاعًا عن منصة بعينها بل عن حق الجميع في أن يعرفوا، وفي أن يخطئ من ينشر فيصحح له علنًا، لا أن يختفي من أجل ذلك فجرًا.




















