بعد ثلاث سنوات على السابع من أكتوبر لم يعد السؤال الذي شغل الناس في الأشهر الأولى، هل كان القرار صائباً أم خاطئاً، قادراً على احتواء ما انكشف تباعاً من حقائق، فقد انقشع غبار الأيام الأولى وبقيت الأرقام والأنقاض وأسماء الضحايا، إذ تجاوز عدد الشهداء في القطاع 75 ألفا بحسب وزارة الصحة في غزة منهم 22 ألف طفل و 12500 امرأة وفاق عدد الجرحى 175 ألف و 10آلاف حالة بتر و 9 آلاف مفقود، وهي أرقام لا تحصي من ابتلعتهم الأنقاض ولا من ماتوا جوعاً ومرضاً ولا من فقدوا عقولهم تحت القصف، وظلت الحصيلة تتصاعد بعد وقف إطلاق النار الذي بدأ في العاشر من أكتوبر من العام الماضي حتى بلغ عدد من قتلوا في ظل الهدنة وحدها أكثر من 1100 إنسان، ومن هنا تبدو المحاسبة الجادة ممكنة فقط لمن يقبل أن يفكك ما جرى إلى قرارات متعاقبة اتخذها فاعلون مختلفون، ويفحص كل قرار بميزانه الخاص من دون أن يسمح للغضب المشروع على القاتل بأن يعفي أحداً من السؤال.
وأول ما يستدعي النقد قرار الهجوم نفسه وطريقة صناعته، فقد جرى التخطيط للعملية في دائرة ضيقة وفي سرية شبه مطلقة، ولم يعرض أحد على الفلسطينيين في غزة ولا في الشتات ولا حتى على حلفاء الحركة في المحور الذي تنتمي إليه خياراً يحدد مصير مليوني إنسانٍ، وقامت الحسابات على افتراض بدا لاحقاً أقرب إلى الوهم، وهو أن حزب الله وإيران وبقية الساحات سيلتحقون بالمعركة فتتحول الضربة المباغتة إلى حرب إقليمية تجبر إسرائيل على التراجع، فإذا بالحزب يتلقى ضربات أجهزت على قيادته وبنيته، ويسقط نظام الأسد الذي كان حلقة أساسية في خط الإمداد، وتتعرض إيران نفسها لقصف مباشر في حرب قصيرة أظهرت حدود قدرتها على الردع، وتجد غزة نفسها وحيدة أمام جيش لا يعرف ضبطاً ولا حياءً، ولا يكفي هنا القول إن ما حدث فاق التوقعات، فمن يتصدى لقرار بهذا الحجم تقع عليه مسؤولية تصور أسوأ الاحتمالات لا أقربها إلى هواه، وإذا كان قد جرى الاستخفاف بسلوك عدو معروف تاريخه في العقاب الجماعي فذلك خلل في التقدير لا يمحوه حسن النية. ولا يستقيم كذلك أن يغض الطرف عن قتل المدنيين واحتجاز النساء والأطفال وكبار السن رهائن، لأن هذه الأفعال تناقض أخلاق المقاومة التي ترفع شعارات الحق، وقد منحت الرواية الإسرائيلية في لحظتها الأولى رصيداً من التعاطف كانت مؤهلة لأن تبني عليه عقوداً من التبرير.
غير أن الاعتراف بهذه الأخطاء لا يعني أن ما تلاها كان رد فعل مفهوماً أو متناسباً، فالذي جرى في غزة بعد ذلك لا يشبه حرباً ضد تنظيمٍ مسلح بقدر ما يشبه انتقاماً من مجتمع كامل، وقد تصرف بنيامين نتنياهو وحكومته بمنطق من يرى في الحرب فرصة لإنقاذ مستقبله السياسي المهدد بالملفات القضائية والانقسام الداخلي، فرفع سقف الأهداف المعلنة إلى حد التناقض، إذ لا يمكن في آنٍ واحد القضاء على حماس بالقوة واستعادة الأسرى أحياء من القطاع نفسه الذي يقصف ليل نهار، وقد أثبتت الوقائع ذلك عندما عاد معظم الأسرى عبر الصفقات والتفاوض لا عبر العمليات العسكرية، وبعد أن قتل الجيش بعضهم بنيرانه، ولم تنته القصة إلا يوم قبلت الحكومة في أكتوبر الماضي ما رفضته أشهراً طويلة، وأعيد آخر الأسرى الأحياء ثم جثمان آخر قتيل في يناير الماضي. وفي الأثناء دمرت الأحياء السكنية والجامعات والمستشفيات وشبكات المياه ومزارع القطاع، وأعلن التصنيف الدولي للأمن الغذائي حدوث المجاعة في مدينة غزة في صيف العام الماضي، وصدرت مذكرتا توقيف بحق نتنياهو ووزير دفاعه السابق يوآف جالانت عن المحكمة الجنائية الدولية، ومضت جنوب أفريقيا في دعواها أمام محكمة العدل، ومع ذلك كله لم تسقط حماس ولا تخلت عن سلاحها، وهذه هي المفارقة التي تفضح التهور الإسرائيلي، فقد دفعت إسرائيل عزلة غير مسبوقة وثمناً أخلاقياً باهظاً لتبقى بعد ثلاث سنوات أمام خصم لا يزال حاضراً على الأرض.
ولا يمكن قراءة هذه المأساة بمعزل عن المنظومة التي سمحت لها بأن تمتد، فالولايات المتحدة التي مولت وسلحت وعطلت قرارات مجلس الأمن بحق النقض هي نفسها التي ترعى اليوم التسوية وتتحدث عن السلام، وكأن الراعي الأكبر للحرب أصبح فجأة وسيطاً نزيهاً، أما الدول الأوروبية التي تباطأت طويلاً ثم رفعت صوتها بعدما اتسعت دائرة الغضب في شوارعها فقد بدت أقرب إلى حماية نفسها من الحرج منها إلى حماية الفلسطينيين، ولا تقل الصورة قتامة عند الجانب العربي والإسلامي، فبين عواصم اكتفت بالبيانات وأخرى واصلت علاقاتها وتجارتها مع إسرائيل وكأن شيئاً لم يكن، وثالثة ضبطت معابرها وفق حسابات أمنها الخاص، انكشف أن مفهوم الأمن القومي العربي أضعف من أن يحمي نفسه، وأن الغضب الشعبي الذي ملأ الشوارع في الأشهر الأولى لم يجد قناة سياسية تحوله إلى ضغط حقيقي، فبقيت غزة تواجه مصيرها بأجساد أهلها وحدهم.
وإذا وصلنا إلى الترتيبات القائمة اليوم تتضح معالم العلة التي تحكم المرحلة، فقد أقر مجلس الأمن القرار 2803، وأنشئ مجلس السلام برئاسة دونالد ترامب، وتشكلت لجنة فلسطينية انتقالية لإدارة القطاع، وجرى التوقيع في نهاية يوليو على خريطة طريق تنص على نزع السلاح مقابل الانسحاب الإسرائيلي، لكن الدائرة مغلقة على نفسها، فإسرائيل لن تنسحب من وراء الخط الأصفر قبل أن يكتمل نزع السلاح، وحماس تشترط تقدم الانسحاب قبل التسليم، والمانحون يترددون في ضخ أموالهم قبل أن يتضح مصير السلاح، فتتجمد إعادة الإعمار التي تقدر كلفتها المتوسطة بنحو35 مليار دولار، بينما لا تتجاوز الخطة التي كشف عنها المجلس في سبتمبر مليارين ونصف مليار لستة أشهر، أي ما يشبه طلاء الواجهة في مدينة هدمت من أساسها، وهكذا يعيش مئات الآلاف في خيام وملاجئ مؤقتة بانتظار حسم نزاع حول كلمات في ورقة، وتقيم إسرائيل على ما يزيد عن نصف مساحة القطاع، ويبقى الموت اليومي ثمناً مؤجلاً للجميع.
وفي قلب هذه العقدة تقف مسؤولية فلسطينية داخلية لا ينبغي التهرب منها، فحماس التي ورثت إدارة القطاع بعد صراع مع فتح في 2007 جمعت بين سلطة الحكم وسلاح المقاومة، ثم دخلت الحرب وهي ما تزال تعتقد أن مصير الشعب يمكن أن يرتهن بحسابات تنظيم، ولما عرضت أخيراً التخلي عن إدارتها المدنية بقيت أجنحتها المسلحة خارج المعادلة، وهو ما يجعل التنازل أقرب إلى المناورة منه إلى مراجعة. أما السلطة الوطنية في رام الله فقد بلغت من الوهن وفقدان الشرعية، بعد غياب الانتخابات منذ قرابة 20 عاماً واتهامات الفساد وارتهان الأمن للتنسيق مع الاحتلال، ما يجعلها عاجزة عن تقديم نفسها بديلا مقنعا، وبين الطرفين يتشظى الفلسطينيون بين من يتحدث باسم سلاح لا يحميه ومن يتحدث باسم شرعية لا يملك أدواتها، ويبقى جيل كامل خارج أي تمثيل حقيقي، وفي هذا الفراغ يتسرب القرار الفلسطيني إلى أيدي الوسطاء والرعاة. وإذا غاب المرجع الذي يوازن بين الكلفة والمكسب ويحاسب أصحاب القرار أمام شعبهم، أصبحت كل تضحية جديدة قابلة للتحول إلى ورقة تفاوض في أيدي غير أصحابها، وهذا ما يجعل الإصلاح الداخلي شرطاً للنجاة لا ترفاً يؤجل إلى ما بعد انتهاء الحرب.
ولا يصح أن ينسينا ما يجري في القطاع ما يحدث في الضفة الغربية، التي يتناولها الإعلام عادة بوصفها هامشاً للحدث الأكبر، حيث تتوسع المستوطنات وتتصاعد اعتداءات المستوطنين وتتحدث الحكومة الإسرائيلية بوضوح عن الضم، وقد قتل فيها أكثر من 1000 فلسطينيٍ منذ بدء الحرب، فالحرب كشفت أن مشروع الاحتلال لا يفرق بين غزة والضفة وأن الفارق بينهما في الأسلوب لا في الغاية، وأن الرهان على أن تنتهي القضية بفصل القطاع عن بقية الأرض رهان على وهم تغذيه الانقسامات الفلسطينية.
وإذا نظرنا إلى ما يسميه المتحمسون مكاسب، فهي موجودة لكنها أقل مما يروج لها وأكثر قابلية للتآكل، إذ اعترفت فرنسا وبريطانيا وكندا وأستراليا وعدد آخر من الدول بدولة فلسطين في الخريف الماضي، وتحول التعاطف الشعبي في الغرب إلى كتلة سياسية يحسب لها حساب حتى داخل الأحزاب الحليفة تاريخياً لإسرائيل، واهتز تفوق الرواية الإسرائيلية بين الأجيال الشابة، لكن الاعتراف بدولة لا حدود لها ولا سيادة ولا عاصمة يبقى بياناً رمزياً ما لم يقترن بعقوبات وشروط، وقد رأينا أن تلك العواصم نفسها تقف اليوم متفرجة على مجلس يديره ترامب، كما أن موجات التعاطف مزاجية بطبعها، وينطفئ وهجها بمجرد أن تنشغل الشاشات بأزمة جديدة، ثم إن الفلسطيني الذي فقد أسرته لا يواسيه تصويت في الجمعية العامة، وسيظل ميزان الربح والخسارة في هذه الحرب مختلاً لأن الذين دفعوا الثمن ليسوا الذين سيحصدون الثمرة، إن كانت ثمة ثمرة.
وعلى الجانب الآخر لا تبدو إسرائيل رابحة كما توحي صورها، فقد اهتزت أسطورة الردع التي بنتها لعقود في صباح واحد، ودخل مجتمعها في صدمة لم يخرج منها بعد، وتحول جيشها إلى قوة محتلة في مساحات تتسع كل يوم، وصعد اليمين المتطرف إلى مواقع القرار بينما تقترب البلاد من انتخابات عامة في ظل احتفالات مثقلة بالجراح هي الأولى منذ الهدنة، وظل جوهر المشكلة قائماً، فسياسة إدارة الصراع بدل حله التي انهارت في 7 أكتوبر عادت بعد الحرب أشد قسوة، والذين يراهنون على أن القوة وحدها كفيلة بصناعة الأمن يعيدون إنتاج الظروف التي ولد منها ذلك اليوم، وربما بصورة أكثر تطرفاً لدى أطفال غزة الذين شبوا بين الركام.
ولعل أخطر ما أفرزته هذه السنوات هو انتقائية التعاطف لدى الجميع، فهناك من يرى في أسرى السابع من أكتوبر مجرد أرقام ويتجاهل بكاء ذويهم، وهناك من يرى في أطفال غزة مجرد خسائر جانبية ضرورية، وهناك في المقابل من يعلن النصر فوق مدينة مهدمة ويحتفي بصمود لا يستطيع أن يطعم أصحابه، وكلها نزعات تتغذى على الانتماء لا على القيم، وتعطل أي محاولة لفهم الصراع بوصفه مأساة إنسانية وسياسية تتطلب معياراً واحداً لحياة البشر مهما كانت هويتهم.
أما الطريق إلى الأمام فيبدأ من إدراك أن السلاح، مهما كانت مبررات حمله، لا يصنع سياسة بمفرده، وأن أي مشروع تحرري لا يستند إلى إجماع وطني ومؤسسات خاضعة للمحاسبة سيظل عرضة لأن تختطفه حسابات الأفراد والمحاور، ومعنى ذلك أن يتجه الفلسطينيون إلى انتخابات حقيقية لمجلس وطني جديد يشمل الجميع، وأن تفصل الإدارة المدنية عن العمل المسلح فصلاً فعلياً، وأن يوضع نزع السلاح، إن كان لا مفر منه، ضمن مسار سياسيٍ بضمانات واضحة وجدول للانسحاب والإعمار يمنع تحويله إلى استسلام مجانيٍ، وأن تستثمر الأوراق القانونية والشعبية والإعلامية بتنسيق مدروس لا بمبادرات متفرقة، فقد أثبتت التجربة أن ما يبقى بعد العاصفة هو ما استقر في الوعي والمؤسسات، أما الشعارات فتذروها الرياح.
وفي ذكرى ثلاث سنوات يبقى الواجب أن نقول بوضوحٍ إن غزة لم تنتصر ولم تهزم بالمعنى الذي يريده المتخاصمون على تعريفها، فقد خسرت ما لا يعوض وكسبت قدراً من الانتباه لا يؤتمن عليه، وإن من أخطأ في الحساب مدين لشعبه بالمراجعة، ومن ارتكب الإبادة مدين للعالم بالحساب القانوني، ومن وفر الغطاء مدين بالاعتراف، أما نحن فمدينون لأهلها بألا نترك ذاكرتهم تتحول إلى مناسبة سنوية تمر مع الأخبار ثم تنطفئ.






















