يكشف الحديث المتكرر عن حماية المدنيين في أوقات الحرب فجوة مؤلمة بين ما تقوله النصوص وما تفعله الجيوش على الأرض، فالقانون الدولي الإنساني يبدو من بعيد بناءً متماسكاً من القواعد الواضحة التي تحظر استهداف من لا يشاركون في القتال، وتوجب على كل طرف أن يميز بين المقاتل والمدني وأن يزن الخسائر المتوقعة قبل أي هجوم لكن السجل الفعلي للحروب منذ منتصف القرن الماضي حتى اليوم، يظهر أن هذه القواعد كثيراً ما تتحول إلى لغة تبرير أكثر منها قيداً حقيقياً على السلاح وأن من تعدهم الاتفاقيات محميين هم في الواقع الأغلبية الساحقة ممن يسقطون في النزاعات الحديثة، وبذلك يصبح السؤال الجوهري ليس هل يجرم القانون قتل المدنيين فهو يجرمه بوضوح بل لماذا يستمر هذا القتل على نطاق واسع بلا ثمن سياسي يذكر لمن يرتكبه أو يتسبب فيه أو يمول أدواته؟.
لم تولد اتفاقيات جنيف في فراغ فهي ثمرة مباشرة لتجربة الحرب العالمية الثانية، التي قتل فيها عشرات الملايين وكان أكثرهم من المدنيين الذين سحقتهم المجازر النازية والقصف الجوي المتبادل للمدن والمجاعات المصطنعة والتهجير القسري، وقد جاءت نصوص عام 1949 كمحاولة لسد الثغرات التي سمحت بتلك ، لكنها حملت منذ البداية مفارقة لافتة إذ كتبها المنتصرون أنفسهم وبعضهم كان قد أحرق مدناً كاملة من الجو وأنهى الحرب بسلاح ذري أبادت قنبلتاه عشرات الآلاف في لحظات، ولم يحاسب أحد منهم على ذلك، فنشأت منذ ذلك التاريخ قاعدة غير مكتوبة مفادها أن القانون يطبق بصرامة على المهزوم ويلين أمام القوي، وهي قاعدة ما زالت تلقي بظلها الثقيل على مصداقية المنظومة كلها.
ثم جاءت حروب التحرر والحرب الباردة لتختبر النصوص الجديدة، فكانت فيتنام مثالاً صارخاً على حرب تداخل فيها الريف بالقتال، حتى صار المدني هدفاً محتملاً في نظر القادة الميدانيين، وتحولت مصطلحات مثل مناطق القتل الحر وإحصاء الجثث، إلى معايير للنجاح العسكري وفي أفريقيا ظهر الوجه الأشد قتامة، إذ قتل في رواندا عام 1994 نحو 800 ألف إنسان خلال 100 يوم تقريبا،ً بينما كانت العواصم الكبرى تتجنب حتى استخدام كلمة الإبادة خشية أن تلزمها بالتدخل. وبعد عام واحد من ذلك سقطت سربرنيتسا في البوسنة، تحت أنظار قوات دولية كان يفترض أنها تحمي المنطقة الآمنة، فأعدم أكثر من8 آلاف رجل وفتى خلال أيام، وهكذا تعلم العالم أن وجود النص القانوني لا يغني عن الإرادة السياسية وأن الشهود الدوليين قد يتحولون إلى متفرجين مكتوفي الأيدي.
وقد انتقلت الحرب بصورة متزايدة إلى المدن المكتظة في القرن الحالي، فصارت أحياء حلب والموصل والرقة وغيرها ساحات قتال حقيقية يعيش فيها السكان تحت القصف والحصار، وقد أظهرت هذه المعارك أن استخدام الأسلحة المتفجرة ذات الأثر الواسع في المناطق المأهولة ينتج خسائر مدنية فادحة، حتى لو ادعى مستخدموها الدقة الكاملة، فالقذيفة التي تصيب هدفاً عسكرياً داخل مبنى سكني تصيب معه الجدران والأسر والأطفال، وفي اليمن ارتبط الصراع بضربات جوية طالت أسواقاً وحافلات وأعراساً إلى جانب حصار فاقم الجوع والأوبئة، حتى قدرت جهات أممية أن من ماتوا بسبب هذه العوامل غير المباشرة يفوقون عدداً من ماتوا بالقصف المباشر، وهذه الحقيقة تذكرنا بأن موت المدنيين لا يقاس بالقنابل وحدها بل بتدمير المستشفيات وشبكات المياه والكهرباء وقطع الغذاء والدواء.
وتبرز اليوم نزاعات عدة تعيد طرح الأسئلة ذاتها بحدة أكبر، ففي أوكرانيا طالت الصواريخ والطائرات المسيرة مدناً ومحطات طاقة ومجمعات سكنية، ووثقت جهات أممية آلاف الضحايا المدنيين، وفي السودان تحول الصراع بين طرفين مسلحين إلى كارثة إنسانية، شملت مجازر على أسس عرقية ونزوحاً بملايين البشر، وفي غزة أثارت الحرب نقاشاً قانونياً وأخلاقياً واسعاً حول حجم الخسائر بين المدنيين ومدى التزام الأطراف بمبدأي التمييز والتناسب وتبقى الأرقام نفسها موضع جدل وتدقيق بين الجهات المختلفة، وإن اتفقت المنظمات الإنسانية في معظمها على أن الكلفة المدنية بلغت مستويات استثنائية. وينبغي لكل قارئ منصف أن يدرك أن الاتهامات المتبادلة في هذه الحروب جميعاً لا تحسم ببيانات دعائية بل بتحقيقات مستقلة وأن جرائم أحد الأطراف لا تبرر جرائم خصمه.
ولعل أحدث ما يختبر هذه المبادئ في السودان، ما شهدته المنطقة الحدودية مع مصر في 10 أكتوبر الجاري إذ تعرض منقبون أهليون عن الذهب يعرفون محلياً باسم الدهابة لغارات جوية أودت بحياة عشرات منهم في منطقة تتداخل فيها الحدود وتغيب عنها العلامات الواضحة، ومهما كانت هوية المنفذ، فإن الواقعة تطرح الأسئلة القانونية ذاتها، هل جرى التمييز بين مسلح ومنقب أعزل؟ وهل وجه إنذار كاف؟ وهل كان استخدام القوة الجوية متناسباً مع تهديد مفترض؟. ولم تثبت المسؤولية عن الغارات بعد في تحقيق مستقل وتزداد خطورة الأمر، لأن الحادثة تلاها مقتل سائقين مصريين بالخرطوم، وتشير بعض التقارير إلى احتمال صلة ذلك بها دون أن يتأكد هذا الربط، وهكذا يجر الدم دماً ويدفع المدنيون من الجانبين ثمن غياب التحقيق المستقل.
وتمتد آثار هذا القتل إلى ما بعد توقف القصف بزمن طويل، فالناجون يحملون جراحاً جسدية ونفسية تلازمهم عقوداً، والأطفال الذين فقدوا أسرهم ومدارسهم ينشؤون في مخيمات لجوء تفتقر إلى التعليم والرعاية، والمدن المدمرة تحتاج سنوات طويلة لتستعيد خدماتها الأساسية، بينما تبقى الألغام والذخائر غير المنفجرة تحصد أرواحاً جديدة في الحقول والطرقات، وتولد المآسي المتراكمة كراهية تتوارثها الأجيال وتغذي دورات عنف لاحقة، فيتبين أن الحرب التي يظن مشعلوها أنها تحسم الصراع بالقوة، تزرع في الواقع بذور الصراع التالي، وهذا ما يجعل حماية المدنيين مصلحة استراتيجية لكل من يريد سلاماً دائماً لا مجرد التزام أخلاقي.
ويكمن جزء كبير من المشكلة في مرونة المفاهيم القانونية نفسها، فمبدأ التناسب يطلب من القادة العسكريين أن يقارنوا بين خسائر مدنية متوقعة وميزة عسكرية مباشرة، لكن هذه المقارنة تجري في عقل القادة وخلف أبواب مغلقة وبمعلومات استخبارية لا يطلع عليها أحد، ما يجعل تقديرها شبه مستحيل على القضاء لاحقاً، كما أن مفهوم الهدف العسكري يتسع أحياناً ليشمل منشآت مزدوجة الاستخدام، كالجسور ومحطات الكهرباء، ويستخدم تعبير الدروع البشرية لتبرير ضرب أحياء بأكملها دون تمييز، مع أن القانون يقرر أن وجود مقاتلين وسط المدنيين لا يلغي التزام المهاجم بحماية هؤلاء ولا يعفيه من واجب الحيطة، وإلى جانب ذلك تؤدي اللغة العسكرية دوراً تخديرياً، إذ تسمي القتلى أضراراً جانبية وتحول الأطفال إلى بند في تقرير فتنزع عن الجريمة بعدها الإنساني.
أما المساءلة فهي الحلقة الأضعف، إذ تعجز المحكمة الجنائية الدولية عن ملاحقة مرتكبين ينتمون إلى دول لم تصدق على نظامها الأساسي، ما لم يحل مجلس الأمن القضية إليها، وهو المجلس الذي يشل حق النقض عمله، كلما كان المتهم حليفاً لإحدى الدول الدائمة العضوية، وتتهم دول الجنوب هذه المنظومة بانتقائية فاضحة تتشدد مع قادة أفريقيا وتتساهل مع قوى كبرى، وهي انتقادات لا يمكن تجاهلها وإن لم تعف أحداً من المسؤولية، كما أن الدول المصدرة للسلاح تتحمل نصيباً من التبعة الأخلاقية والقانونية، إذ تواصل تزويد أطراف توثق انتهاكاتها الجسيمة بالذخائر ذاتها، وقد بدأت بعض المحاكم الوطنية فعلاً تنظر في قضايا من هذا النوع استناداً إلى الولاية القضائية العالمية، وهو مسار بطيء لكنه يحمل أملاً.
وتتحمل الجماعات المسلحة غير الحكومية نصيبها الوافر من هذه الجرائم، فقد استهدفت تفجيرات انتحارية وهجمات عشوائية أسواقاً ومساجد وكنائس وأحياء مأهولة في بلدان عدة، وارتكبت تنظيمات متطرفة عمليات إعدام جماعي وسبي واستعباد بحق مجتمعات كاملة، ولا يصح لأي خطاب نقدي أن يتجاهل ذلك أو يبرره بذريعة الظلم الواقع على أصحاب القضية، فالقانون الإنساني يلزم الجميع بالقدر نفسه، سواء كانوا جيوشاً نظامية أو فصائل متمردة، وجرائم القوي لا تمنح الضعيف رخصة لقتل الأبرياء، كما أن قدرة الدول على إلحاق ضرر أكبر لا تجعل ما يرتكبه خصومها أقل بشاعة، وهنا يظهر الاتساق الأخلاقي بوصفه معياراً للحكم، فمن يدين قتل المدنيين عندما يرتكبه خصمه ويصمت عندما يرتكبه حليفه لا يدافع عن القانون بل يستخدمه سلاحاً في معركته.
وتضيف التقنيات الحديثة بعداً جديداً شديد التعقيد إلى هذا المشهد، فالطائرات المسيرة التي روج لها بوصفها أداة دقيقة تقلل الخسائر، أتاحت في الواقع شن هجمات عن بعد بكلفة سياسية منخفضة، فاتسعت رقعة الاستهداف وتكاثرت الضربات خارج ساحات القتال التقليدية، وبرزت أنظمة تحليل البيانات التي تقترح قوائم أهداف بسرعة تفوق قدرة البشر على المراجعة، فيتحول القرار الفردي إلى موافقة آلية سريعة، ويضيع معنى المسؤولية بين المبرمج والضابط والقائد، وتتوارى الأسئلة حول التحقق من هوية الهدف ومدى حداثة المعلومات المعتمدة، وإذا أضفنا إلى ذلك الحرب السيبرانية التي تعطل المستشفيات والمرافق الحيوية، تبين أن ساحة المعركة لم تعد محصورة في الميدان بل صارت تشمل حياة الناس اليومية كلها، ولذلك تتعالى الدعوات إلى معاهدة دولية تضبط الأسلحة الذاتية التشغيل، وتفرض رقابة بشرية حقيقية على قرارات القتل قبل أن تصبح الآلة شريكاً صامتاً في الجريمة.
ولا يمكن إغفال دور الإعلام والرأي العام في تشكيل هذا المشهد، فهناك تراتبية غير معلنة لقيمة الأرواح تجعل مقتل مئة مدني في عاصمة غربية خبراً يتصدر الصفحات أياماً بينما يمر مقتل الآلاف في قرى بعيدة كإحصاء عابر في نشرة المساء، وتزداد الصورة تشويهاً مع الدعاية التي يمارسها كل طرف فتضخم جرائم الخصم وتخفي جرائمه وتغرق المتلقي في سيل من الأرقام المتضاربة والصور التي يصعب التحقق منها، حتى يتبلد الإحساس وتتحول المأساة إلى ضجيج، ومن هنا يبرز واجب الصحافة الجادة في التحقق والتوثيق ومنح الضحايا أسماءً وقصصاً لا مجرد أعداد، لأن الرقم المجرد يسهل نسيانه أما الإنسان الذي له وجه واسم فيصعب تجاوزه.
وعلى المستوى الفلسفي يستند كثير من التبريرات العسكرية إلى مبدأ الأثر المزدوج الذي يفرق بين قتل مقصود وقتل متوقع غير مقصود، وهو تمييز له قيمته في الفكر الأخلاقي لكنه يتحول بسهولة إلى ستار يغطي إهمالاً متعمداً، فمن يعلم يقيناً أن ضربته ستقتل عشرات الأبرياء ثم يمضي فيها بحجة أنه لم يقصدهم لا يختلف كثيراً عمن قصدهم في نتيجة فعله وإن اختلف معه في نيته، ولهذا يلح فقهاء القانون والأخلاق على أن العلم المسبق بالنتيجة يرتب مسؤولية لا تقل ثقلاً عن القصد المباشر، وأن الحرب العادلة في أهدافها تفقد عدالتها إذا مورست بوسائل تستهين بحياة الناس، وقد تنبه علماء المسلمين القدامى إلى ذلك مبكراً فأوصى الخلفاء قادة الجيوش بألا يقتلوا امرأة ولا طفلاً ولا شيخاً ولا راهباً ولا يقطعوا شجراً ولا يهدموا عمراناً، وهي وصايا سبقت الاتفاقيات الحديثة بقرون، وتذكرنا بأن الضمير الإنساني عرف حدود القوة قبل أن تصاغ لها المواثيق وأن المشكلة كانت وما زالت في الالتزام لا في المعرفة.
وخلاصة هذا كله أن المشكلة ليست في غياب القواعد بل في غياب الإرادة التي تنفذها، فالعالم يملك نصوصاً متقدمة ومحاكم ومنظمات رصد ولجان تحقيق، لكنه يفتقر إلى آلية حاسمة تجعل كلفة قتل المدنيين أعلى من منفعته السياسية والعسكرية، ويقتضي الإصلاح الحقيقي تقييد حق النقض في حالات الجرائم الجماعية، وربط صفقات السلاح بسجل الالتزام بالقانون، وتوسيع التحقيقات المستقلة وحماية العاملين في المجال الإنساني والصحفيين الذين يوثقون الانتهاكات، ودعم الولاية القضائية العالمية في المحاكم الوطنية، وقبل ذلك كله استعادة المعنى الأخلاقي البسيط الذي تقوم عليه جنيف نفسها، وهو أن الحرب مهما اشتدت لا تلغي إنسانية من لا يحمل السلاح، وأن الصمت أمام قتلهم لا يقل خطورة عن الفعل في حساب التاريخ.





















