قال الدكتور مهندس حسن علي استشاري تطوير الأعمال والاستثمار، إن السوق العقاري المصري دخل خلال عام 2026 مرحلة مختلفة، أصبح فيها ارتفاع أسعار الوحدات السكنية لا يمثل بالضرورة مؤشرًا على قوة السوق، في ظل اتساع الفجوة بين أسعار العقارات وقدرة العملاء على الشراء.
وأوضح حسن فى تصريح خاص لـ”الحرية”، أن الجملة الأكثر تداولا في السوق العقاري خلال السنوات الماضية، وهي «العقار بيزيد حتى لو المبيعات هديت»، لم تعد كافية لقراءة أداء السوق، مشيرا إلى أن السؤال الأهم حاليا لا يتعلق فقط بارتفاع الأسعار، وإنما بمدى انعكاس هذا الارتفاع على قوة الطلب والقيمة الحقيقية للأصل العقاري.
وأضاف استشاري تطوير الأعمال والاستثمار، أن المشكلة الأساسية لم تعد في عدم رغبة العميل في الشراء، وإنما في أن قدرته الشرائية لم تعد تتحرك بالسرعة نفسها التي ترتفع بها أسعار الوحدات، وهو ما يخلق فجوة يجب وضعها في الاعتبار عند تقييم أداء السوق بعيدًا عن الإعلانات والمؤشرات البيعية فقط.
تراجع عدد الصفقات لا يعني بالضرورة انخفاض قيمة المبيعات
وأشار علي، إلى أن بيانات الربع الأول من 2026، التي نقلتها «الأهرام» عن Board Consulting، أظهرت تراجع عدد الوحدات السكنية المباعة بنحو 15%، إلى حوالي 15.5 ألف وحدة، مقارنة بالربع الأول من عام 2025، وفي المقابل، سجل أكبر 10 مطورين عقاريين مبيعات تعاقدية بلغت نحو 271 مليار جنيه، بانخفاض 6.5% مقارنة بنحو 290 مليار جنيه خلال الفترة نفسها من العام الماضي.
وأوضح حسن، أن قراءة هذه الأرقام تحتاج إلى قدر من التدقيق، إذ يمكن أن يتراجع عدد الصفقات في الوقت الذي تظل فيه قيمة المبيعات مرتفعة، نتيجة الزيادة المستمرة في أسعار الوحدات، وهو ما يعني أن السوق لا يتحرك فقط وفق قوة الطلب، وإنما أيضًا نتيجة إعادة تسعير المنتجات العقارية.
ولفت استشاري تطوير الأعمال والاستثمار، إلى أن المطور العقاري يواجه مجموعة كبيرة من التكاليف، تشمل الأراضي والتمويل والمقاولات والحديد والأسمنت والعمالة والطاقة والتسويق والإدارة، بينما يتحرك العميل في المقابل وفق دخله وراتبه ومدخراته والتزاماته الشهرية.
وأضاف حسن، أن الطرفين يعملان في اقتصاد شهد تضخمًا حضريًا سنويًا بلغ 14.3% في يونيو 2026، وفقًا للبنك المركزي المصري، وبالتالي فإن ارتفاع سعر الوحدة لا يعني تلقائيًا ارتفاع قيمتها الحقيقية.
ارتفاع السعر لا يعني بالضرورة زيادة القيمة الاستثمارية
وأكد علي، أن هناك فرقا بين ارتفاع السعر الاسمي للعقار وارتفاع قيمته الحقيقية، موضحًا أنه إذا ارتفع سعر وحدة من 5 ملايين إلى 6 ملايين جنيه، فإن ذلك يمثل زيادة اسمية قدرها 20%، لكن تقييم الاستثمار لا يجب أن يتوقف عند هذا الرقم.
وتابع حسن، أن المستثمر أو المشتري يجب أن يسأل عن التغير في القوة الشرائية للجنيه، وتكلفة البديل، ومستويات الإيجارات، وحجم الطلب الفعلي على الوحدة، إضافة إلى قدرتها على إعادة البيع مستقبلًا.
وأوضح استشاري تطوير الأعمال والاستثمار، أن مفهوم «السيولة العقارية» يجب أن يحظى باهتمام أكبر في السوق المصرية، لأن العقار لا يصبح استثمارًا ناجحًا لمجرد ارتفاع سعره في قوائم الأسعار الخاصة بالمطورين، وإنما يجب أن يكون قابلًا للتسييل عند الحاجة إلى بيعه.
وأشار حسن، إلى أن امتلاك وحدة مسجل سعرها على الورق عند 8 ملايين جنيه لا يعني بالضرورة إمكانية بيعها بهذا السعر، إذا لم يكن هناك مشترٍ مستعد لدفع أكثر من 6.8 مليون جنيه، وهو ما يبرز الفارق بين السعر المعلن وسعر التنفيذ الحقيقي في السوق.
التقسيط الطويل يرفع القدرة على الشراء لكنه لا يخفض التكلفة
وانتقل حسن علي، إلى ملف أنظمة السداد، موضحًا أن مدد التقسيط الطويلة أصبحت خلال السنوات الأخيرة إحدى الأدوات الأساسية التي يعتمد عليها المطورون للحفاظ على القدرة الشرائية للعملاء.
وأشار استشاري تطوير الأعمال والاستثمار، إلى أن بيانات السوق خلال الربع الأول من 2026 أظهرت انتشار مدد سداد تصل إلى 8 سنوات أو أكثر، وفي بعض الحالات تمتد إلى 10 سنوات، وفقًا لبيانات «بيوت مصر».
وأوضح حسن، أن طول فترة التقسيط قد يبدو في ظاهره أمرًا إيجابيًا للمشتري، لكنه لا يعني بالضرورة انخفاض التكلفة الإجمالية للعقار، مطالبًا العميل بالنظر إلى إجمالي ما سيدفعه، وقيمة المقدم، والأقساط، وأي زيادات أو شروط مرتبطة بجدول السداد، إلى جانب تكاليف الصيانة والخدمات.
وأكد علي، أن هناك فارقا كبيرا بين شراء وحدة على 10 سنوات وبين أن تكون التكلفة الاقتصادية الكاملة لهذه الوحدة مناسبة لقدرة المشتري.
المطور أمام معادلة صعبة بين التكلفة وقدرة العميل
وأشار استشاري تطوير الأعمال والاستثمار، إلى أن الضغط لا يقع على المشتري وحده، إذ يواجه المطور العقاري نفسه بيئة تشغيل أكثر تعقيدا، في ظل ارتفاع تكاليف التطوير، مع مطالبته في الوقت ذاته بطرح منتجات يستطيع العملاء تحمل تكلفتها.
وأوضح حسن، أن أحد الحلول التي ظهرت في السوق يتمثل في تقليص مساحات الوحدات مع الحفاظ على سعر المتر أو زيادته، لافتًا إلى أن هذا الاتجاه ظهر بالفعل خلال 2026.
وبحسب تقرير Board Consulting الذي نقلته «الأهرام»، اتجه بعض المطورين إلى طرح وحدات بمساحات أصغر مع زيادة سعر المتر، بهدف الحفاظ على هوامش الربح وجعل إجمالي سعر الوحدة في متناول شريحة أكبر من المشترين.
وتساءل حسن علي، عما إذا كان هذا الاتجاه يعالج بالفعل أزمة القدرة الشرائية، أم أنه يعيد تصميم المنتج العقاري فقط ليتناسب مع قدرة العميل على دفع المقدم، مؤكدًا أن الفرق بين الأمرين جوهري.
السوق يحتاج إلى معلومات أفضل وليس أسعارًا أقل فقط
وأكد استشاري تطوير الأعمال والاستثمار، أن أحد أكبر التحديات التي تواجه السوق العقارية المصرية لا يتعلق بالأسعار فقط، وإنما بجودة المعلومات المتاحة أمام المشتري قبل اتخاذ قرار الشراء.
وأوضح حسن، أن العميل يحتاج إلى معرفة نسبة التنفيذ الفعلية للمشروع، وتاريخ التسليم المتوقع، وسجل المطور في تسليم مشروعاته، وإجمالي تكلفة الوحدة وليس سعرها فقط، بالإضافة إلى رسوم الصيانة والخدمات، وشروط إعادة البيع والتنازل، وطبيعة الزيادات السعرية، ومستوى الطلب الحقيقي في المنطقة، والفارق بين أسعار السوق الأولية «Primary» وأسعار إعادة البيع «Resale».
وأشار علي، إلى أن غياب المعلومات الكافية قد يحول قرار شراء العقار من قرار اقتصادي محسوب إلى قرار عاطفي تحكمه عبارات مثل «السعر هيزيد بكرة»، و«آخر وحدة»، و«العرض النهارده بس»، وهو ما يجعل التسويق في بعض الحالات أقوى من التحليل.
الحوكمة وتنظيم السوق يفرضان نفسيهما
وقال حسن علي، إن الدولة بدأت بدورها في التعامل مع ملف حوكمة وتنظيم السوق العقارية، موضحًا أنه في مايو 2026 تابع رئيس مجلس الوزراء إجراءات إعداد قانون جديد لحوكمة المطورين العقاريين وتنظيم السوق العقارية، وفي ملف الوساطة العقارية، أعلنت الهيئة العامة للرقابة على الصادرات والواردات أن تعديلات يناير 2026 أنشأت سجلا رسميا إلزاميًا للوسطاء العقاريين، مع متطلبات تتعلق بالسجلات الإلكترونية والشفافية والإفصاح عن العمولات والتدريب.
وأكد حسن، أن هذه الإجراءات لا تمثل مجرد تفاصيل إدارية، وإنما تعكس حاجة السوق الذي أصبح حجمه وتأثيره الاقتصادي كبيرين إلى قواعد أكثر وضوحًا وتنظيمًا.
السوق لا ينهار.. لكنه ينتقل إلى مرحلة جديدة
وحذر حسن علي، من الاعتقاد بأن كل عقار جيد لمجرد أن سعره يرتفع، معتبرًا أن هذه من أخطر الأفكار التي يمكن أن تؤثر في قرارات المستثمرين.
وأوضح استشاري تطوير الأعمال والاستثمار، أن ارتفاع سعر الوحدة لا يعني بالضرورة ارتفاع جودة الأصل أو سيولته أو عائده الإيجاري أو قدرته على إعادة البيع أو قيمته الحقيقية بالنسبة للمستثمر.
ودعا حسن، إلى تغيير طريقة تقييم العقارات، بحيث لا يقتصر السؤال على «المتر بكام؟»، وإنما يمتد إلى «ما الذي يجعل هذا المتر يستحق هذا السعر؟»، وكذلك بدلًا من السؤال عن قيمة الربح المتوقع عند البيع، يجب معرفة من سيشتري الوحدة وبأي سعر وفي أي توقيت.
وأكد على، أن السوق العقارية المصرية لا تمر بمرحلة انهيار، موضحًا أن القطاع لا يزال يجذب استثمارات ضخمة، كما أصبحت الشراكات الخليجية عنصرا مهما في المشهد العقاري، مع تقديرات أشارت إلى مشروعات مرتبطة برأس المال الخليجي تتراوح قيمتها بين 35 و40 مليار دولار خلال 2026، وفقا لما نقلته «الأهرام»، كما شهد الساحل الشمالي، وفق تصريحات لمطورين نقلتها «الأهرام»، معاملات عقارية تجاوزت 1.2 تريليون جنيه خلال عامين.
وأوضح حسن، أن الصورة الحقيقية تتمثل في انتقال السوق من مرحلة كان ارتفاع الأسعار خلالها قادرًا على إخفاء العديد من التحديات، إلى مرحلة أصبح فيها العميل أكثر حساسية للسعر، والمطور أكثر احتياجًا للسيولة، وأصبحت المعلومات الدقيقة عنصرا أكر أهمية في اتخاذ القرار.
2026 قد يعيد تعريف النجاح في السوق العقاري
واختتم حسن علي، تصريحاته بالتأكيد على أن عام 2026 قد يمثل عامًا فاصلًا في السوق العقارية المصرية، ليس لأن العقار سيتوقف بالضرورة عن الارتفاع أو لأن السوق سيدخل حتمًا في أزمة، وإنما لأن طريقة قياس النجاح بدأت تتغير، موضحا أن المطور الناجح لن يكون فقط من يبيع أكبر عدد من الوحدات، وإنما من يستطيع التسعير بشكل واقعي، والتنفيذ والتسليم والإدارة، والحفاظ على قيمة الأصل بعد البيع.
وتابع: أن المشتري الذكي لن يكون بالضرورة من اقتنص أقل سعر، وإنما من فهم طبيعة ما يشتريه، وأسباب شرائه، ومصادر قيمته، ومن يمكن أن يشتريه منه مستقبلًا.
وأكد حسن، أن العقار في النهاية ليس مجرد رقم على قائمة أسعار، وإنما أصل اقتصادي يجب تقييمه وفقًا لما يستطيع تحقيقه لرأس مال المستثمر، وليس فقط وفقًا للسعر الذي دفعه عند الشراء.
وشدد استشاري تطوير الأعمال والاستثمار، على أن السوق المصرية لا تحتاج فقط إلى المزيد من العقارات، وإنما تحتاج إلى عقارات ذات قيمة حقيقية، وهو ما سيحدد الفارق مستقبلًا بين مجرد بيع الوحدة وبين صناعة الاستثمار العقاري.
اقرا ايضا: خريطة السوق العقاري اليوم.. فرص استثمارية بالقاهرة الجديدة وارتفاع الأسمنت





















