تكشف أروقة القضاء تفاصيل واقعة مثيرة للجدل شهدتها منطقة مصر القديمة، حيث أصدرت محكمة جنايات القاهرة المنعقدة في القاهرة الجديدة حكماً بالسجن المشدد لمدة 10 سنوات بحق محامٍ تورط في عمليات تزوير ممنهجة استهدفت الاستيلاء على أرض تابعة لهيئة الأوقاف المصرية، وذلك في القضية التي حملت رقم 861 لسنة 2024 جنايات مصر القديمة، والمقيدة برقم 33 لسنة 2024 كلي جنوب القاهرة، في حكم قضائي رادع يغلق الباب أمام محاولات التلاعب بممتلكات الدولة العامة.
تؤكد أوراق القضية أن المتهم أقدم على ارتكاب جريمة تزوير محررات رسمية وتقليد أختام تحمل شعار الجمهورية، مستغلاً خبرته القانونية في اصطناع مستندات على غرار الأوراق الصحيحة، حيث قام بالاتفاق والمساعدة مع شخص مجهول لتدوين بيانات كاذبة وتذييلها بتوقيعات وأختام مزورة منسوبة لموظفين عموميين بوزارة الأوقاف وعدد من مكاتب التوثيق والشهر العقاري، بهدف إضفاء شرعية قانونية وهمية على تصرفات لا أساس لها من الصحة، موهماً الغير بصحة تلك المستندات لإتمام صفقات بيع مشبوهة.
يتبين من سير التحقيقات أن المتهم سلك مسالك ملتوية للاستيلاء على أرض مسجلة كوقف خيري تابع لهيئة الأوقاف المصرية، زاعماً أحقية ورثة أحمد باشا طاهر في تلك المساحة من الأرض، وهو الأمر الذي أكدت تحريات الإدارة العامة لمباحث الأموال العامة عدم صحته تماماً، حيث كشفت التحريات أن المتهم قام بتجهيز مجموعة ضخمة من التوكيلات والخطابات المصطنعة، ولجأ في مستندات أخرى إلى التلاعب عبر الإضافة والحذف والتعديل، لغرض التمويه على الجهات الرسمية والأشخاص حسني النية لانتزاع ملكية الوقف الخيري بغير وجه حق.
تشير التحقيقات إلى أن المتهم قدم هذه المحررات المزورة للعديد من الأشخاص ولجهات حكومية متنوعة للاحتجاج بصحتها، ما مكنه لفترة من استخراج مستندات رسمية بناءً على تلك الأوراق المزور، قبل أن تنجح الجهات الرقابية والأمنية في كشف خيوط المؤامرة، مما أدى إلى ضبط المتهم وإحالته إلى النيابة العامة التي وجهت له تهماً تتعلق بالاشتراك في تزوير محررات رسمية وتقليد أختام شعار الجمهورية واستعمال تلك المحررات مع علمه اليقيني بتزويرها، وهو ما اعتبره القانون خروجاً صارخاً عن مقتضيات الأمانة المهنية.
صدر الحكم القضائي الهام برئاسة المستشار محمد أحمد الجندي، وعضوية المستشارين ممدوح شلبي ومحمد أحمد صبري، ليحسم الجدل حول هذه القضية التي تضمنت وقائع تزوير دقيقة ومعقدة، حيث جاءت العقوبة متناسبة مع حجم الجرم المرتكب في حق الممتلكات العامة، لتبعث رسالة حازمة لكل من تسول له نفسه استغلال المهنة القانونية في تزوير مستندات رسمية أو محاولة نهب أراضي الأوقاف التي تعد من الممتلكات الوطنية المصونة التي لا يجوز التصرف فيها أو نقل ملكيتها بأي حال من الأحوال.
يُعد هذا الحكم القضائي انتصاراً لهيبة القانون وحماية لممتلكات وزارة الأوقاف، حيث أغلقت المحكمة الطريق أمام محاولات المحامي للالتفاف على النصوص القانونية المنظمة للوقف الخيري، مؤكدة أن كافة المحررات التي استخدمها المتهم كانت مصطنعة بالكامل وتهدف لتحقيق مكاسب غير مشروعة، وهو ما استوجب توقيع أقصى العقوبات المقررة قانوناً لردع مثل هذه الممارسات التي تستهدف الاستيلاء على أموال الدولة بوسائل التزوير والتضليل.





















