لم يكن مستغرباً أن تخرج القاهرة ببيان شديد اللهجة بعد أن صادق مجلس النواب الليبي بالإجماع على مذكرة التفاهم البحرية التي وقعها فايز السراج مع أنقرة في نوفمبر 2019، فالوصف الذي اختارته الخارجية المصرية، أي البطلان المطلق وانعدام الأثر القانوني، هو الصيغة نفسها التي ترددت في الخطاب المصري منذ لحظة التوقيع الأولى. غير أن الجديد هذه المرة لا يكمن في نص الاتفاق، فخرائطه وإحداثياته معروفة منذ سنوات، بل في الجهة التي منحته غطاء إضافياً، إذ إن البرلمان الذي رفضه طويلاً وقطع بسببه خيوط التواصل مع تركيا هو نفسه من يتبناه اليوم، وهذا الانقلاب في الموقف يربك الرواية المصرية أكثر مما يربك رواية خصومها، ويستدعي قراءة أهدأ من القراءة التي يتيحها البيان الرسمي.
أول ما يستوقف الناظر في الصياغة المصرية هو الاستعمال الفضفاض لمفهوم البطلان، فالقانون الدولي لا يعرف بطلاناً مطلقاً بهذه السهولة، وقواعد اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات تحصر أسباب البطلان في حالات محددة كالإكراه أو مخالفة قاعدة آمرة أو العيب الجسيم في الاختصاص الداخلي، وهي حالات يصعب إثباتها في مذكرة وقعتها حكومة معترف بها دولياً آنذاك وسجلت لدى الأمم المتحدة. أما السلاح الأمضى في يد القاهرة فهو مبدأ آخر أبسط وأقوى، وهو أن المعاهدة لا تلزم غير أطرافها، ما يعني أن الخط الذي رسمته أنقرة وطرابلس يظل غير نافذ في مواجهة أي دولة ثالثة تملك حقوقاً في المنطقة نفسها. هذه حجة عدم الاحتجاج بالاتفاق على الغير، وهي تكفي وحدها لحماية الحقوق المصرية دون حاجة إلى المغامرة بدعوى البطلان التي يمكن لأي محكمة أن تجردها من مضمونها بسهولة.
ثم إن الاستناد إلى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 يحتاج إلى قدر من الصراحة النقدية، فتركيا لم تنضم إلى الاتفاقية أصلاً، وتتمسك بمبدأ الإنصاف والقانون العرفي كما تفهمه، وترى أن الجزر الواقعة قبالة الساحل الأناضولي، ومنها جزيرة كريت في نظرها، لا تستحق ما تستحقه اليابسة من امتداد بحري كامل. وللموقف التركي سند في أحكام قضائية دولية قلصت أثر الجزر الصغيرة في عمليات الترسيم، وإن كان الاجتهاد القضائي نفسه لا يجيز إقصاء جزيرة بحجم كريت، وهنا مكمن الضعف الحقيقي في الخط التركي الليبي. فالمسألة إذن ليست أبيض وأسود كما يصورها الإعلام في العواصم الثلاث، وإنما نزاع حول وزن الجزر في الترسيم، وكان الأجدى بمصر أن تتحدث بلغة القانون الدقيقة التي تحاصر هذه النقطة بدل شعارات الإبطال الكاملة.
وتتضاعف المفارقة إذا تذكرنا أن القاهرة نفسها كانت قد اعترضت في 2019 أمام مجلس الأمن بحجة أن المذكرة تخالف اتفاق الصخيرات لأنها لم تعرض على مجلس النواب لإقرارها، أي أنها ربطت شرعية الاتفاق بموافقة البرلمان الليبي في الشرق. وها هو البرلمان يصادق، فتنهار هذه الحجة الإجرائية من تلقاء نفسها، وتضطر مصر إلى الانتقال من مسألة الشكل إلى مسألة الجوهر، حيث الأرض أقل ثباتاً تحت قدميها. ولا يعني هذا أن المصادقة تصلح عيباً في الاتفاق من الناحية الدولية، فالموافقة اللاحقة لا تغير شيئاً في أثره على الغير، لكنها تسحب من الدبلوماسية المصرية ورقة كانت تحتفظ بها لسنوات، وتكشف أن بعض الحجج التي رفعت في الماضي كانت تكتيكية أكثر منها مبدئية.
ولا يمكن فصل رد الفعل المصري عن مسار التقارب مع أنقرة الذي بدأ في 2023 وبلغ ذروته في زيارة الرئيس التركي إلى القاهرة، فالبلدان أعادا السفراء وفتحا ملفات التجارة والاستثمار، و أصبح لكل منهما مصلحة في ألا يتحول الخلاف البحري إلى قطيعة جديدة. وبيان الخارجية، بهذا المعنى، مكتوب بحذر من يريد تسجيل موقف دون أن يهدم ما بناه، فهو يرفض الاتفاق بلغة حاسمة ثم يكتفي بالاحتفاظ بحق الرد دون أن يحدد وسيلة أو موعد أو مسار. وهذه صيغة مألوفة في الدبلوماسية، لكنها تكشف أن القاهرة تدرك أن الخيارات المتاحة أمامها محدودة، وأن كلفة التصعيد مع تركيا، اقتصادياً وإقليمياً، أعلى من عوائده المحتملة في ملف لم يترجم بعد إلى نشاط ميداني يمس المصالح المصرية مباشرة.
ولا تقف دلالات التصديق عند حدود الجوار المباشر، فتركيا تنظر إلى الاتفاق بوصفه حجر زاوية في “عقيدة الوطن الأزرق” التي تعيد تعريف مجالها البحري بما يتجاوز ما تتيحه الخرائط التقليدية، وهي لا تخفي أنها ترى في الشراكة مع ليبيا مدخلاً لمقعد دائم على طاولة الطاقة في المتوسط. وفي المقابل يبدو الموقف الأوروبي أقرب إلى الاحتجاج اللفظي المتقطع، فبروكسل تدين وتذكر بالقانون ثم تنصرف إلى حسابات الهجرة والغاز والتوازنات داخل الحلف الأطلسي، أما واشنطن فتراقب دون أن تلتزم بخطوط واضحة، وموسكو تتحرك في الجنوب والشرق الليبي بمنطق مستقل. هذا الفراغ في الضمانات الدولية يعني أن أي رهان مصري على أن يصحح الآخرون المسار نيابة عنها رهان ضعيف الأساس.
أما التحول الأعمق فهو ما جرى في الشرق الليبي نفسه، حيث كانت مصر تعد نفسها الراعي الأقرب للمعسكر الذي يقوده خليفة حفتر وللبرلمان المتحالف معه، وتبني عليه رهانها الأمني والسياسي منذ سنوات. و أن يصوت هذا البرلمان إجماعاً لمصلحة اتفاق طالما نددت به القاهرة، ويلغي قراراته السابقة المناهضة لأنقرة، يعني أن حليفها في الجوار فتح قناة مستقلة مع خصمها دون أن يستأذنها، أو أنه أدرك أن الوعود التركية في الطاقة والإعمار والتدريب العسكري أثمن من الوفاء لتحالف لم يعد يمنحه ما يكفي. وفي الحالتين تدفع القاهرة ثمن الاعتماد على طرف واحد في بلد تتبدل فيه الولاءات بسرعة، وهي نتيجة تستحق مراجعة جادة لسياسة ليبية قامت على الأشخاص أكثر مما قامت على المؤسسات والمصالح المتشابكة.
وليست جبهة الرفض الثلاثية التي يتحدث عنها البيان بالصلابة التي يوحي بها، فاليونان وقبرص ومصر تتفق على رفض الخط التركي الليبي، لكنها تختلف في الأولويات وفي التفاصيل. اتفاق الترسيم المصري اليوناني الموقع في أغسطس 2020 اتفاق جزئي لم يحسم كل المساحات المتنازع عليها، وأثينا تتقدم أحيانا نحو مفاوضات منفصلة مع طرابلس وبنغازي لترسيم حدودها مع ليبيا، بما يوحي أن كل عاصمة تحتفظ بهامش للمناورة وفق مصالحها. كما أن مشروعات مثل كابل الربط الكهربائي بين اليونان وقبرص تكشف كيف يتحول الخلاف الجغرافي إلى اشتباك أمني حقيقي، فيما تكتفي مصر في الغالب بدور المراقب القلق. والأولى بهذه الجبهة أن تنتقل من البيانات المشتركة إلى تنسيق قانوني دقيق، يضع خرائط متقابلة ويودع إشعارات موثقة لدى الأمم المتحدة.
وفي ملف الطاقة، تبدو الصورة أكثر تعقيداً مما تقدمه الخطابات، فمصر التي كانت تحلم بأن تصبح مركزاً إقليميا للغاز أصبحت في سنوات قليلة مستوردة له بفعل تراجع الإنتاج في حقولها الكبرى وتزايد الطلب المحلي. وهي بحاجة إلى الغاز القبرصي والإسرائيلي ومنشآت الإسالة لديها، أي أن مصلحتها تتمثل في استقرار شرق المتوسط وانسيابه، لا في تحويله إلى ساحة اشتباك. ومن هذا يمكن فهم الحذر المصري، لكن يمكن أيضا انتقاده، لأن الغموض في الحدود الغربية لمنطقتها الاقتصادية، ومنها المنطقة المتداخلة مع ليبيا التي لم يكتمل ترسيمها بين القاهرة وطرابلس، يترك فراغاً قانونياً تستغله أنقرة ببراعة. وتأجيل هذا الترسيم بحجة انقسام السلطة الليبية لم يعد مقنعاً، فالانقسام ذاته هو ما أتاح لتركيا أن تقتنص ما يتيحه الفراغ.
ولعل أكثر ما يستحق النقد في التناول الإعلامي المصري للقضية هو ميله إلى تقديمها كمعركة سيادة صرفة، وكأن الأمر يتعلق بخطر وشيك على حدود الدولة، فيما الواقع أن الخلاف يدور حول مساحات بحرية بعيدة نسبياً لم يتحدد استثمارها بعد. هذا التضخيم يرفع سقف توقعات الرأي العام ثم يضع الدبلوماسية أمام استحقاق لا تستطيع الوفاء به، فيتحول الفارق بين الخطاب والفعل إلى مصدر إحراج دائم. والأجدر أن تعرض القضية للجمهور بصورتها المعقدة، بما فيها من هوامش للتفاوض وتنازلات ممكنة وحدود للقوة، لأن الشفافية في وصف الموقف أفضل ضمانة لثقة الناس بقرار الدولة.
ولا ينبغي في زحمة الحديث عن مصر وتركيا وأثينا أن نغفل ليبيا، فالاتفاق في حقيقته مسألة تخص مجالها البحري قبل أي حساب آخر. وفي الداخل الليبي من يرى أن المذكرة وقعت في ظرف عسكري ضاغط مقابل دعم تركي لحكومة كانت مهددة على أبواب طرابلس، وأنها لم تنتج مكاسب بحرية متوازنة لليبيا، فالمستفيد الأكبر منها كان بحسب هؤلاء هو الجانب التركي الذي حصل على منفذ قانوني لمطالبه. والمصادقة الحالية، في نظر هؤلاء، تأتي من برلمان انتهت ولايته عملياً ويتنازعه الشك في تمثيله، فهي لا تعبر عن إرادة وطنية جامعة. ويمنح هذا النقد مصر مدخلاً أذكى من البطلان، وهو أن تطرح نفسها مدافعاً عن حق الدولة الليبية في ترسيم حدودها عبر سلطة موحدة ومنتخبة، وأن تتوقف عن الظهور بمظهر من يملك وصاية على قرار جاره.
وإذا كانت القاهرة تتحدث بلغة القانون فعليها أن تقبل منطقه كاملاً، أي أن تسلك مساراً قضائياً أو تحكيمياً أو تفاوضياً جاداً، وهو مسار لم تقرر الدخول فيه لا مع تركيا ولا مع ليبيا. فتركيا لن تقبل الاحتكام إلى محكمة العدل الدولية بشأن قضية تعرف أنها لن تكسبها كاملة، ومصر لا تضمن حكماً يخدم تصورها كاملاً، فيبقى الجميع في منطقة وسطى من التصريحات المتبادلة والخرائط المتصارعة. وهذا الجمود يخدم الطرف الأقدر على فرض الأمر الواقع بالسفن والتنقيب والحضور العسكري، لا الطرف الأكثر تمسكاً بالنصوص. فـ تجارب البحار تؤكد أن الحقوق التي لا تقترن بالممارسة والنشاط تتآكل مع الزمن، وأن البيان الرسمي مهما بلغت حدته لا يحمي منطقة اقتصادية لم تمسح ولم تستغل.
ما يحتاجه الموقف المصري إذن هو الانتقال من لغة الصفات إلى لغة الأدوات، فالمطلوب مسار متدرج يبدأ بتحصين الجبهة القانونية عبر مذكرات رسمية تودع في الأمم المتحدة وتفند الإحداثيات نقطة نقطة، ويمر بفتح باب التفاوض مع الشرق والغرب الليبيين معاً لترسيم الحدود المشتركة، ولا يهمل قنوات الحوار مع أنقرة التي لا تزال قادرة على تعديل مواقفها متى تغيرت الكلفة. ولا يغني عن هذا استثمار الغاز المصري في مناطق حساسة بما يرسخ الوجود الفعلي، ولا تحييد الأطراف الأوروبية والأمريكية بحثاً عن دعم أكثر وضوحاً. أما رفع الصوت بأن الاتفاق باطل فسيظل مجرد ضجيج ما لم يتحول إلى سياسة، ولن يرى فيه الخصوم سوى دليل على أن القاهرة لا تملك أكثر من الكلمات.
في المحصلة، يضع تصديق مجلس النواب الليبي مصر أمام اختبار لا يتعلق بالنص بقدر ما يتعلق بالقدرة على التكيف مع تحولات الجوار. فالاتفاق سيئ أو مجحف بحسب زاوية النظر، لكنه أصبح واقع قانوني في حدود أطرافه، وسيتحول إلى واقع مادي إذا لم تتحرك القاهرة وحلفاؤها بسرعة وبعقل هادئ. والموقف المصري سليم في جوهره حين يتمسك بحماية الحقوق السيادية وعدم نفاذ الاتفاق في حقها، لكنه ناقص في أدواته ومتناقض في بعض حججه، ومتأخر في مبادراته. وما لم تغير القاهرة منهجها، فقد تجد نفسها بعد سنوات تتفاوض على ما تبقى من حقوق، بدل أن تدافع عما ظنته مضموناً بحكم الجغرافيا والتاريخ. وربما كان أخطر ما في الأمر أن تتحول هذه اللحظة إلى سابقة تغري الآخرين بتكرار النهج نفسه، فتصبح الحدود البحرية في المتوسط رهينة صفقات ظرفية تعقدها حكومات مؤقتة وتباركها برلمانات منقسمة.





















