زيارة الرئيس الصيني لمصر جعلت أنظار العالم تتجه إلى القاهرة وعقول مُحللي العالم تنشغل باستكشاف موقع مصر في “مشروع الصين”، وهو الأمر الذي ينبغي أن يدعونا للتساؤل عن “مشروع مصر”، فقد آن الأوان بعد ما شهدته مصر من ثورات، وما يشهده الإقليم من مواجهات، وما يشهده العالم من تحولات، آن الأوان كي ندق ناقوس خطر غياب “مشروع مصر”، لمواجهة التحديات وإستغلال الفرص التي تُحدثها التحولات السريعة والعميقة الجارية على المستوى الإقليمي، ولبلورة تصور لتموضع الدولة المصرية في النظام العالمي الجديد الآخذ في التشكل.
وفي سياق “مشروع مصر”، نجد أنه على مدار عشر سنوات: وضعت “رؤية مصر ٢٠٣٠” لتنمية شاملة متوازنة مستدامة ذات أبعاد اقتصاديةواجتماعية وبيئية في عام 2016، وفي عام 2018 تم تحديث هذه الرؤية، وفي عام 2022 أُصدرت وثيقة سياسية ملكية الدولة، وفي عام 2023 أُطلق الحوار الوطني وتمت صياغة مُخرجاته، وفي عام 2025 أُصدرت السردية الوطنية للتنمية الاقتصادية، وفي عام 2026 عُدّلت وثيقة سياسة ملكية الدولة، وذلك إلى جانب العديد من الاستراتيجيات والمؤتمرات في العديد من المجالات.
إلا أن بنود ومحاور وأهداف الرؤية التنموية ووثيقة الملكية والحوار الوطني والسردية الاقتصادية لم تُنفذ ولم تتحقق، ورغم تعدد أسباب ذلك ما بين توالي كوارث عالمية وإقليمية وإشكاليات مؤسسية تنفيذية، إلا أن السبب الرئيس في ذلك يرجع إلى أن كل هذه المحاولات كانت تكنوقراطية ومن طرف واحد فقطبدون باقي أصحاب المصالح الوطنية، حيث شارك فيها خبراء وعلماء ومفكرين وأساتذة وتنفيذيين وغاب عنها “التسييس”، ففقدت الاتصال بالمواطنين الذين هم أصحاب المصلحة الرئيسيين وبواقعهم، فلم يشعر المواطن بها ولم يجد فيها علاج لآلامه ولا تحقيق لآماله، فأنتجت هذه الإشكالية السياسية شبه استحالة تنفيذية.
هذه الإشكالية واجهت أيضاً تنفيذ أهداف الأمم المتحدة السبعة عشر للتنمية المستدامة لعام 2030، ولعلاج هذه الإشكالية بدأ خبراء الأمم المتحدة فيالحديث عن ما يسمى بـ “توطين التنمية”، أي ضرورة ترجمة الأهداف التنمويةالعالمية على المستوى المحلي في المدن والقرى وربطها بحياة ومصالح المواطنين، وأكدوا على ضرورة ردم الفجوة بين الأهداف الأممية والواقع المحلي، وهذا الدور المتعلق بالتوطين إنما هو دور سياسي لا يقوم به التكنوقراطي، وإنما تقوم به المحليات والنقابات والأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني والمواطنين بالتواصل مع مؤسسات السلطة التنفيذية على المستويات المحلية اللامركزية.
وهذه هي إشكالية مصر الكبرى منذ عهد مبارك، اتباع سياسة المسكنات وتأجيل الإصلاحات بسبب غياب “مشروع مصر”، الذي لا يُمثل ولا ينبغي أن يُمثل توجه سياسي ولا نظام سياسي ولا أن يتأثر بتغير التوجهات أو الأنظمة السياسية، وإنما يُمثل “الدولة المصرية”، يمثل الأساس الذي يجتمع عليه وحوله المصريين لمواجهة تحدياتهم ومشكلاتهم المشتركة وتحقيق أهدافهم المشتركة، كما حدث في 6 أكتوبر وفي 25 يناير وفي 30 يونيو، عندما اجتمع المصريون على هدف مواجهة تحدياتهم المشتركة، فمشكلات وتحديات وآمالالمصريين المشتركة هي التي تنقلها السياسة لأعلى فيشارك التكنوقراط في بلورتها ثم ترجع بها السياسة للمواطنين في صورة أهداف وغاياتواستراتيجيات وطنية، يشعرون أنها تمثلهم وتعبر عنهم، وأنهم مشاركون فيها وجزء منها، فيندفعوا للمشاركة في العمل عليها وتنفيذها.
وهذا هو ما تفتقده وتتطلبه مصر الآن، مشروع وطني يتم بلورته عبر تواصل سياسي مؤسسي مستدام مع المواطنين لترجمة مصالحهم كأهداف للمشروع الوطني، ومن خلال حشد سياسي مؤسسي ومستدام للمواطنين الذين يستهدف المشروع مصالحهم، وذلك عبر تضافر جهود التكنوقراطيين والسياسيين والتنفيذيين والمواطنين، وتكامل أدوار المؤسسات الوطنية المركزية والمحلية، وتفعيل اتحادات الطلاب ومراكز الشباب وقصور الثقافة ومنظمات المجتمع المدني والأحزاب والجامعات والنقابات والمجالس المحلية ولجان مجلسي الشيوخ والنواب، ومشاركة المواطنين في تنفيذ ومراقبة تنفيذهذا المشروع الوطني، وهذا هو “فعل السياسة”، الذي يتطلب سرعة معالجة حالة العجز السياسي وإشكاليات البيئة السياسية ومعوقات الكيانات السياسية، لتمكين الطبقة السياسية الحقيقة التي تمثل مصالح المواطنين الفعلية من ممارسة العمل العام، هذه الطبقة الوطنية التي تمثل “رأس مال مصر الوطني”، بعدما تسبب المال السياسي في إفلاس مصر السياسي وخسارتها لرأس مالها الوطني.
يبدأ “مشروع مصر” من “دستور مصر” الذي قال: “نحن الآن نكتب دستوراً يجسد حلم الأجيال بمجتمع مزدهر متلاحم ودولة عادلة تحقق طموحات اليوم والغد للفرد والمجتمع.. نحن الآن نكتب دستوراً يستكمل بناء دولة ديمقراطية حديثة حكومتها مدنية.. نكتب دستوراً نغلق به الباب أمام أي فساد وأى استبداد ونعالج فيه جراح الماضى من زمن الفلاح الفصيح القديم وحتى ضحايا الإهمال وشهداء الثورة فى زماننا ونرفع الظلم عن شعبنا الذى عانى طويلاً”.
المشكلات والتحديات والآمال الوطنية المصرية المشتركة واضحة ومحددة ومتفق عليها، والعقول الوطنية المصرية بذلت على مدى سنوات طويلة جهود علمية مخلصة لبلورة سبل مواجهة تحديات مصر من أجل تنمية مصر، وهذه الجهود تمت صياغتها في العديد من الدراسات والأوراق والرؤى والسياسات والبرامج والخطط والوثائق والسرديات، التي يمكن الاعتماد عليها لوضع “مشروع مصر” المتكامل والشامل لكل الأبعاد المجتمعية والاقتصادية والبيئية والمؤسسية، لكننا فقط نحتاج لضخ الدماء في عروق السياسة الوطنية التي جفت، ولفتح مسارات التواصل الجامعية والشبابية والأهلية والنقابية والحزبية بين المواطنين ومؤسسات الدولة، كي تستعيد الجماهير الثقة في كل ما هو متعلق بالشأن العام، وتبدأ في المشاركة في صنع وتنفيذ ومراقبة وتعديل “مشروع مصر”.
فـ “التسييس” هو الحل لأن غياب “السياسة” هو مشكلة مصر.




















