في أعقاب حادث الإسماعيلية، عادت إجراءات السلامة والصحة المهنية إلى صدارة المشهد، باعتبارها خط الدفاع الأول لحماية العمال وتقليل مخاطر بيئة العمل، خاصة في القطاعات التي تعتمد على وسائل نقل العمال والمعدات والآلات.
وأكد الدكتور الكيميائي حامد العفري، مستشار وكبير خبراء السلامة والصحة المهنية وخبير بوزارة العمل المصرية، أن هناك قاعدة أساسية في إدارة المخاطر يمكن وصفها بـ«القاعدة الذهبية»، مفادها أن تكلفة تطبيق إجراءات السلامة والوقاية تظل أقل بكثير من فاتورة الحوادث وما تترتب عليها من خسائر بشرية ومادية ومؤسسية.
وأوضح العفري أن التعامل مع السلامة باعتبارها بنداً مالياً يمكن تقليله أو الاستغناء عن بعض عناصره يمثل رؤية قصيرة الأمد، لأن الحوادث لا تتوقف خسائرها عند العلاج والتعويضات، وإنما تمتد إلى توقف العمل والإنتاج، والأضرار التي تلحق بالمعدات، فضلاً عن التأثير النفسي على العاملين وما قد يترتب عليه من تراجع في الأداء.
وأشار إلى أن تكلفة الحوادث تشبه في كثير من الأحيان «جبل الجليد»؛ فما يظهر منها على السطح لا يمثل سوى جزء محدود من حجم الخسائر الحقيقية، بينما تختفي النسبة الأكبر من التكلفة في أعباء غير مباشرة قد تتجاوز أضعاف التكاليف المباشرة.
الخسائر المباشرة الناتجة عن الحوادث
وتشمل الخسائر المباشرة الناتجة عن الحوادث نفقات العلاج والرعاية الطبية، والتعويضات المستحقة للمصابين أو أسر المتوفين، إلى جانب إصلاح أو استبدال المعدات والمنشآت التي تعرضت للتلف.
أما الخسائر غير المباشرة، فتتضمن توقف خطوط الإنتاج أو تعطيل العمل لحين إجراء التحقيقات وإزالة آثار الحادث، فضلاً عن الوقت الذي تخصصه الإدارة لإعداد التقارير والتعامل مع الإجراءات القانونية والجهات المختصة.
ولا تتوقف تداعيات الحوادث عند هذا الحد، إذ قد تؤثر الواقعة على الحالة النفسية للعاملين، وتخفض مستويات التركيز والإنتاجية نتيجة الخوف والصدمة، كما يمكن أن تنعكس سلباً على سمعة المنشأة وثقة العملاء بها، وربما تؤثر على فرص الحصول على تعاقدات جديدة، بالإضافة إلى الغرامات والعقوبات المترتبة على مخالفة اشتراطات السلامة.
في المقابل، يرى خبير السلامة والصحة المهنية أن الإنفاق على الوقاية يجب أن ينظر إليه باعتباره استثماراً وليس عبئاً مالياً، من خلال توفير معدات الوقاية الشخصية المناسبة، مثل الخوذات والسترات العاكسة والأحذية الواقية، مع التأكد من استخدامها بالشكل الصحيح.
منظومة الوقاية تدريب العاملين
كما تشمل منظومة الوقاية تدريب العاملين بصورة مستمرة على اكتشاف المخاطر والتعامل معها، وإجراء أعمال الصيانة الدورية للآلات والمعدات ووسائل النقل، إلى جانب وضع خطط واضحة للطوارئ والإخلاء والاستجابة السريعة للحوادث.
وشدد العفري في تصريحات خاصة على أهمية وجود نظام متكامل لإدارة السلامة داخل المنشأة، يبدأ بتحديد مصادر الخطر وتقييمها، ثم وضع الإجراءات الكفيلة بالسيطرة عليها ومراجعتها بصورة دورية، بدلاً من انتظار وقوع الحادث ثم البحث عن أسبابه.
مجال السلامة المهنية
وتؤكد القاعدة الاقتصادية في مجال السلامة المهنية أن الأموال التي تنفقها المنشآت على الوقاية والتدريب والحماية يمكن أن تجنبها خسائر أكبر بكثير عند وقوع حادث جسيم، ما يجعل السلامة المهنية جزءاً أساسياً من الإدارة الرشيدة وليست مجرد إجراء شكلي.
وبحسب رؤية خبير السلامة، فإن المعادلة الأكثر وضوحاً أمام أصحاب الأعمال هي أن الوقاية أقل تكلفة من الحادث، والتدريب أقل كلفة من الخطأ، وحماية العامل تظل الاستثمار الأكثر أهمية داخل أي بيئة عمل.
وفي ظل تكرار حوادث العمال، تبرز الحاجة إلى التعامل مع اشتراطات السلامة والصحة المهنية باعتبارها منظومة مستمرة تبدأ قبل تشغيل العامل أو المعدة، ولا تنتهي إلا بالتأكد من توفير بيئة عمل آمنة قادرة على منع الخطر قبل تحوله إلى حادث.






















