٢٤ يناير ٢٠١١، قبل ساعات من الهتاف الأول، هناك في نقاط بعيدة تمامًا عن اجتماعات أهل الثورة في العاصمة القاهرة، كنا نسمع عن حراك سيحدث غدًا، لم نطلق عليه وقتها ثورة إنما مجرد حراك.
ما الفارق بين الحراك والثورة؟.. الكثير بلا شك، لكن بالنسبة لملايين الشبان غير المنخرطين بالعمل السياسي في مصر، فلم نكن نعلم الفارق وقتها، كل الهتافات واحدة بالنسبة إلينا والعمل السياسي هو ذاك الذي ينتهي بصاحبه في معتقل ما، نقطة وانتهى الأمر.
بعد أعوام كثيرة، أدركت أن ما جعل الحراك ثورة، هو أننا لم نعلم وقتها ماذا يعني الحراك أصلًا، لا أننا كنا نعرف كيف نصنع ثورة. يا أبيض يا أسود، لا شيء آخر بينهما، والسبب الأوحد في طغيان تلك الثنائية هو محمد حسني مبارك لا أحد غيره. بأشكال عدة جعلنا واثقين أن أي سياسة أو حراك أو توافق أو تحزب أو أي من هذه الكلمات التي نسمع عنها ولا نعرف معناها جيدًا، لن تجتمع مع وجوده في وقت واحد، إما هو أو السياسة، يا أبيض يا أسود، لم يترك لنا لونًا آخر نتخيله.
وقتها كنا متيقنين بأن المنتصر في النهاية لا بد وأنه سيكون هو الرئيس الخالد الدائم المتجدد الجبار مبارك، لم يكن رحيله خيالًا ممكنًا وأعني بذلك أي شكل من أشكال الرحيل، حتى وفاته لم تكن أمرًا يمكن تصوره، وكما قال الزعيم: هو في رئيس بيموت؟
هكذا وضعنا المخلوع في موقف لا يحتمل التراجع، إن شاركنا في الأحداث فلن نستطع العودة دون التخلص منه، الميادين أمامنا وثنائية الأبيض والأسود تلون جميع المشاهد في كل شوارع البلاد.
بعد ذلك بأيام قليلة، خرج علينا مبارك بأحاديث لا نفقه معناها، مهلة ودمج وفرصة واتفاق، ربما شعر بأننا لا نشاركه الرأي فيها لكن الحقيقة كانت أننا لا نفهم ماذا يقول من الأساس، حدثنا عن اللون الرمادي والأزرق والأصفر والأحمر، بعد أن علمنا مرات متكررة أن تلك الألوان لا وجود لها إلا في خيالات الغرب مثلًا، ثم تعجب للغاية لم أصر من نزل على تجاهل علبة الألوان هذه، واختار أن يرى الأحداث بالأبيض والأسود فقط، ألم يكن هذا هو الدرس الذي ظل يلقننا إياه لثلاثين عام قبل هذا اليوم؟
خمسة عشر عامًا مرت على ذكرى ثورة ٢٥ يناير، كتبنا خلالها آلاف الكلمات نحكي فيها عن رؤيتنا وذكرياتنا وآمالنا وأحلامنا وفشلنا، لدرجة أن الحديث عن تلك الأشياء مرة أخرى أصبح مللًا لا يستطيع صاحب الحكاية نفسه تحمل تكراره.
خمسة عشر عامًا بين خلافات حادة تدور بين سؤالين لا أكثر: هل كانت ثورة أم مؤامرة؟ إن عاد بنا الزمن هل كنا سنفعلها مجددًا؟
وأقول أن تلك الأسئلة هي رفاهيات لا يجب أن نثقل ظهر جيلنا بها، لن نختار لـ ٢٥ يناير وصفًا واحدًا، ولن نلعب لعبة السفر عبر الزمن هذه، والإجابة على كلا السؤالين ستكون أن في ذلك الوقت كان هناك أبيض وأسود كما تعلمنا، وبلا شك لم تكن صفحة حسني مبارك بيضاء، لذا فعلى من يؤمن بأن هناك ألوان أخرى أن يعود هو بالزمن ليُخبر المخلوع بأن يُعرفنا عليها، ليذهب إلى قصر الرئاسة قبل ٢٥ يناير ٢٠١١ وينظر في عيني الرئيس ويقول له أن الناس لا يدركون بأن هناك علبة ألوان تحتفظ بها داخل القصر عند اللزوم، وأنهم لن يتعرفوا عليها عند الحاجة، وأنه سيكون السبب الأوحد في إصابة بلدنا بعمى الألوان، وحتى ذلك الحين فكل ذكرى ونحن بخير بشكل ما وعمى الألوان يطاردنا.





















