في زمن الانفجار المعلوماتي، تحولت “الصحافة” لدى البعض من رسالة مقدسة إلى “منصة للكوميكس”، ومن تحليل الموقف إلى “التربص بالحركة”.
ما شهدناه مؤخرا من موجات تهكم وسخرية على مشهد “الصمت البروتوكولي” لمسؤول رفيع المستوى أمام تساؤل عابر، لا يعكس قوة في النقد، بل يكشف عورات جهل مركب بأبجديات العمل السياسي، وبروتوكولات الدولة، وقبل كل شيء.. أصول اللياقة المهنية.
الصمت لغة الدولة.. وليس عجزا، فيظن البعض، عن جهل أو عمد، أن “المسؤول الأول” هو جهاز راديو يدار بمجرد ضغط صحفي على زر السؤال. البروتوكول الرئاسي والدولي في أرقى ديمقراطيات العالم يحدد “متى” و”أين” و”كيف” يخرج الحرف.
الصمت هنا ليس هروبا، بل هو “قرار سيادي” وقور، يحترم هيبة الموقف وتوقيت التصريح. فليس كل ما يسأل يجاب عنه في الممرات، وليس كل من حمل ميكروفونا صار ندا لبروتوكول دولة راسخة.
فخ “اللغة” وعقدة الخواجة، والمضحك المبكي هو الانبطاح أمام لغة أجنبية وكأنها صك الغفران. أن يوجه سؤال بلغة غير اللغة الرسمية للدولة، ثم نلوم المسؤول لأنه لم يتبرع بالرد الفوري بلسان أعجمي، هو قمة التزييف الثقافي.
العربية لغة رسمية عالمية، ومن يجهل لغة الأرض التي يغطي أحداثها، أو لا يملك أدوات الترجمة والتحضير المسبق، هو “هاو” يرتدي ثوب المحترفين. الاحترام يبدأ من احترام لغة الدولة، ومن يتنازل عن ذلك فقد تنازل عن مهنيته قبل أن يطالب غيره بالرد.
حين تتحول الصحافة إلى “سيرك”، ودور الصحفي هو “التنوير” لا “التشهير”، و”التحليل” لا “التنمر”. عندما يسقط المشتغل بالمهنة في فخ السخرية من تفاصيل بروتوكولية (وقف أم مشى، صمت أم رد)، فهو يكتب شهادة وفاته المهنية بيده. السخرية هي سلاح “قليل الحيلة” الذي عجز عن مقارعة الحجة بالحجة، فلجأ إلى “الهيافة” ليصنع تريندا زائفا على أنقاض الوقار.
الجهل بالسياق.. “خطيئة كبرى”، فالعمل السياسي ليس “مباراة ارتجالية”، هناك سياق، وهناك زمن، وهناك “أجندة” للمؤتمرات واللقاءات. القفز فوق كل هذه القواعد لاقتناص لقطة “مردش ليه” هو تسطيح متعمد للوعي الجمعي. المهنية تقتضي أن تسأل نفسك: هل كان الوقت مخصصا للأسئلة؟ هل السؤال كان في صلب الموضوع؟ أم هي مجرد محاولة ل “الشو الإعلامي” على حساب وقار المؤسسات؟
ارفعوا سقف الوعي.. كفانا عبثا، فإن نقد السياسات حق مكفول، لكن التهكم على “هيبة الدولة” وتصرفاتها البروتوكولية هو تجاوز لا يقبله منطق وطني أو مهني. المعارضة الحقيقية هي التي تنتقد بفكر وعمق، لا التي تتنمر بجهل وسطحية.
لقد آن الأوان ليعود للكلمة وقارها، وللصحفي مهنيته، وللدولة هيبتها. البلد لا يحتاج لمزيد من “المهرجين” خلف الشاشات، بل يحتاج لعقول تدرك الفرق بين “حرية التعبير” وبين “سفالة التعبير”.
المهنية ليست مجرد ميكروفون وسؤال، بل هي وقوف باحترام على عتبات الدولة.





















