عقب انطلاق «شات جي بي تي» مباشرة، ومع بداية موجة الاهتمام الواسع بتطبيقات الذكاء الاصطناعي، كنت ضيفًا على قناة MBC1 السعودية في برنامج «صباح الخير يا عرب». وكان أول سؤال وجّهه إليّ المذيع: هل ستختفي الوظائف في المستقبل؟ وهل سيستبدلنا الذكاء الاصطناعي؟ كانت إجابتي حينها قاطعة: لا، لن يستبدلك الذكاء الاصطناعي، ولكن قد يستبدلك شخص آخر يجيد استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي.
مرّت منذ ذلك اللقاء قرابة أربع سنوات، وهي فترة قصيرة بمقاييس الزمن، لكنها طويلة جدًا بمقاييس الذكاء الاصطناعي. وخلالها تعمقتُ شخصيًا في دراسة هذا المجال، وحصلت على عدد من الشهادات المتخصصة فيه، واستخدمت تطبيقاته عمليًا وتابعت تطورها المتسارع. ولذلك، إذا سألني المذيع اليوم السؤال نفسه: هل ما زلت مقتنعًا بإجابتك؟ فسأقول بصراحة: لا. لقد غيّرت رأيي.
ولفهم السبب، علينا أن نعرف ببساطة إلى أين وصلنا. عادة ما يُشرح الذكاء الاصطناعي وفق ثلاثة مستويات من القدرة: Narrow AI أو الذكاء الاصطناعي الضيق، وهو المتخصص في مهمة محددة؛ وAGI أو الذكاء الاصطناعي العام، وهو التصور لنظام يمتلك قدرات عامة تمكّنه من التعامل مع نطاق واسع من المهام بصورة تقترب من الإنسان؛ ثم Artificial Superintelligence أو الذكاء الاصطناعي الفائق، حيث تتجاوز قدرات الآلة القدرات البشرية في نطاق واسع من المجالات. ولسنوات كنا نتصور أن الثاني بعيد، وأن الثالث أقرب إلى الخيال العلمي. أما اليوم، فأعتقد أن سرعة التطور تجبرنا على إعادة النظر في تقديراتنا.
بدأت القفزة مع Large Language Models – LLMs والنماذج التوليدية Generative AI. لم تعد الآلة تكتفي بتحليل البيانات، بل أصبحت تكتب وتترجم وتصمم وتبرمج وتنتج الصور والصوت والفيديو. لكن التطور الأكثر أهمية في رأيي هو الانتقال إلى Agentic AI؛ وهنا لا تعطي الآلة سؤالًا فقط، وإنما تعطيها هدفًا، فتستطيع التخطيط واستخدام الأدوات وتنفيذ سلسلة من الخطوات ومراجعة النتائج بدرجات متزايدة من الاستقلالية.
وهنا تحديدًا تغيّرت المعادلة. في البداية كان الذكاء الاصطناعي أداة يستخدمها الموظف، أما الآن فنحن نطور أنظمة تستطيع تنفيذ أجزاء متزايدة من عمل الموظف نفسه. وهذه نقطة مختلفة تمامًا؛ لأن صاحب العمل في النهاية لا يشتري ثماني ساعات من وقت الموظف، وإنما يشتري نتيجة: تقريرًا، تصميمًا، تحليلًا، برنامجًا، ترجمة، حملة تسويقية أو خدمة للعميل. فإذا استطاعت الآلة إنتاج جزء كبير من هذه النتيجة بسرعة أكبر وتكلفة أقل، فلماذا سيظل صاحب العمل بحاجة إلى العدد نفسه من الموظفين؟
وهذا لا يعني أن الوظائف ستختفي فجأة. الاستبدال قد يكون أكثر هدوءًا: شركة كانت تحتاج إلى عشرة موظفين قد تحتاج إلى خمسة، لأن كل موظف أصبح قادرًا بمساعدة الذكاء الاصطناعي على إنتاج ضعف ما كان ينتجه. ولذلك لا يحتاج الذكاء الاصطناعي إلى أداء الوظيفة بنسبة 100% حتى يتسبب في فقدان وظائف؛ يكفي أن يقلل حجم العمل البشري المطلوب لإنجازها.
وتشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن نحو 40% من الوظائف عالميًا معرضة بدرجات مختلفة لتأثير الذكاء الاصطناعي، بينما وجدت منظمة العمل الدولية أن نحو واحد من كل أربعة عاملين عالميًا يعمل في مهنة لديها درجة ما من التعرض للذكاء الاصطناعي التوليدي. والمهم أن التأثير هذه المرة لا يقتصر على الأعمال اليدوية؛ فالكاتب والمبرمج والمترجم والمصمم والمحاسب والمسوق وموظف خدمة العملاء جميعهم أصبحوا يرون أجزاء من مهامهم قابلة للأتمتة.
لذلك لم أعد أعتقد أن النصيحة القديمة – «تعلم الذكاء الاصطناعي حتى لا يستبدلك شخص يستخدمه» – كافية. نعم، من يجيد استخدامه ستكون لديه أفضلية، لكننا قد نصل إلى مرحلة يكون فيها السؤال الأهم: كم إنسانًا نحتاج أصلًا لإنجاز هذا العمل؟.
لهذا، إذا سُئلت اليوم مرة أخرى: هل يستبدلنا الذكاء الاصطناعي؟ ستكون إجابتي: نعم، سيستبدل بعضنا، وسيغير وظائف بعضنا، وسيجعل بعضنا أكثر قيمة من أي وقت مضى.
والسؤال الذي يجب أن يسأله كل واحد منا الآن ليس: هل الذكاء الاصطناعي خطر على وظيفتي؟ بل: ما الذي أستطيع أن أقدمه، ولا تزال الآلة عاجزة عن تقديمه؟.






















