في ظل التحديات التي تواجه بعض المشروعات العقارية المتعثرة، تبرز الحاجة إلى البحث عن حلول عملية تتجاوز فكرة توقف المشروع أو سحب الأرض والدخول في نزاعات طويلة، خاصة عندما يكون المشروع قد بدأ بالفعل وتم بيع وحدات به وسدد العملاء جزءا كبيرا من قيمتها.
ويطرح مقترح اقتصادي إمكانية إنشاء صناديق استثمار عقاري متخصصة في إنقاذ وإعادة هيكلة المشروعات المتعثرة، بهدف التدخل في المشروعات القابلة للاستكمال، وتوفير التمويل اللازم لإنهائها وتسليم الوحدات للعملاء، بما يحافظ على قيمة الأصول ويحد من الخسائر التي قد يتعرض لها مختلف أطراف المنظومة.
كيف تعمل صناديق إنقاذ المشروعات العقارية؟
وتقوم الفكرة على تدخل صندوق استثماري متخصص عندما يواجه مطور عقاري أزمة سيولة تعوق استكمال مشروع بدأ بالفعل، رغم امتلاك المشروع مقومات اقتصادية تسمح باستكماله.
ويبدأ الصندوق بإجراء تقييم شامل للمشروع قبل اتخاذ قرار الاستثمار، يتضمن تحديد قيمة الأرض والأصول، ونسبة التنفيذ الفعلية، والتكلفة المطلوبة لاستكمال الأعمال، وحجم الديون والالتزامات، وحقوق العملاء، والوحدات المتبقية القابلة للبيع، إلى جانب دراسة التدفقات النقدية المتوقعة للمشروع بعد استكماله.
وفي حال أثبتت الدراسة أن المشروع قابل للاستكمال ويحقق جدوى اقتصادية، يمكن للصندوق ضخ التمويل اللازم لاستكمال الأعمال، مقابل الحصول على عائد استثماري مناسب يتناسب مع حجم التمويل والمخاطر.
التمويل الجديد للمشروع وليس للمطور
ويرتكز المقترح على شرط أساسي يتمثل في توجيه الأموال الجديدة إلى المشروع نفسه، وليس إلى المطور، بما يضمن استخدام التمويل في استكمال أعمال الإنشاء وتسليم الوحدات.
ويمكن تحقيق ذلك من خلال إنشاء حساب مالي مخصص للمشروع، تكون عمليات الصرف منه مرتبطة بمعدلات التنفيذ الفعلية، وتخضع لرقابة مالية وهندسية واضحة، بما يضمن توجيه الأموال إلى الأغراض المحددة لها.
وقد يحصل الصندوق في المقابل على نسبة من أرباح المشروع، أو جزء من الوحدات المتبقية للبيع، أو حصة في شركة المشروع، وفقًا للهيكل الاستثماري الذي يتم الاتفاق عليه بعد دراسة وضع كل مشروع.
حماية العملاء بدلا من سنوات النزاعات
ويرى أصحاب المقترح أن وجود آلية استثمارية لإنقاذ المشروعات المتعثرة يمكن أن يوفر بديلا عن السيناريو التقليدي الذي يبدأ بتأخر التسليم، ثم تصاعد النزاعات بين المطور والعملاء، وصولًا إلى القضايا والتوقف الكامل للمشروع، بما قد يؤدي في النهاية إلى خسائر لجميع الأطراف.
وفي المقابل، فإن ضخ تمويل جديد في مشروع قابل للحياة قد يسمح باستكمال الأعمال وتسليم العملاء وحداتهم، والحفاظ على قيمة المشروع بدلًا من تحوله إلى أصل متوقف.
كما يمنح هذا النموذج المطور المتعثر فرصة لإعادة الهيكلة بدلًا من الانهيار الكامل، بينما يحصل الصندوق على عائد استثماري مقابل تحمل تكلفة التمويل والمخاطر المرتبطة بالمشروع.
ليس كل مشروع متعثر قابلًا للإنقاذ
ويشدد المقترح على ضرورة عدم التعامل مع جميع المشروعات المتعثرة باعتبارها قابلة للإنقاذ، إذ توجد فروق جوهرية بين شركة تمتلك مشروعًا جيدًا وتواجه فجوة تمويلية مؤقتة، وبين شركة تتجاوز التزاماتها قيمة أصولها ويكون المشروع نفسه غير قابل للاستمرار اقتصاديًا.
وبالتالي، يجب أن يسبق تدخل أي صندوق متخصص تقييم مالي وقانوني وهندسي شامل، للتأكد من قدرة المشروع على الاستكمال وتحقيق عائد اقتصادي، مع تحديد حجم الالتزامات وحقوق العملاء والتكلفة الحقيقية المطلوبة للانتهاء من المشروع.
صندوق لإنقاذ وإعادة هيكلة المشروعات العقارية
ومن هنا يبرز مقترح إنشاء “صندوق إنقاذ وإعادة هيكلة المشروعات العقارية المتعثرة”، على أن يقتصر تدخله على المشروعات التي تثبت الدراسات المتخصصة قابليتها للاستكمال.
ويكون الهدف الأساسي للصندوق هو استكمال المشروع وحماية أموال وحقوق العملاء، ثم تحقيق عائد استثماري مناسب، بما يحقق توازنًا بين البعد الاقتصادي والبعد الاجتماعي والاستثماري للقضية.
تحويل التعثر من أزمة إلى أصل منتج
ويستند المقترح إلى فكرة أن التعامل مع المشروع المتعثر لا يجب أن يقتصر على تحديد الطرف الذي يتحمل الخسارة، وإنما يجب أن يمتد إلى البحث عن إمكانية تحويل الأصل المتوقف إلى مشروع منتج وقابل للاستمرار.
فإذا كانت الأرض والمشروع والطلب المتوقع تسمح بالاستكمال، فقد يكون توفير التمويل وإعادة الهيكلة حلًا أكثر كفاءة من إيقاف المشروع أو سحب الأرض والدخول في سنوات من النزاعات القانونية.
وفي هذه الحالة، يمكن أن تتحقق مصلحة مشتركة للعميل من خلال تسلم وحدته، وللمشروع من خلال استكماله، وللمطور من خلال إعادة الهيكلة، وللمستثمر من خلال تحقيق عائد مناسب، وللدولة من خلال الحفاظ على استثمارات قائمة وحقوق عملاء ونشاط اقتصادي وفرص عمل.
وبذلك يتحول السؤال من، من يتحمل خسارة المشروع المتعثر؟، إلى سؤال أكثر أهمية، كيف يمكن تحويل المشروع المتعثر من أزمة إلى أصل منتج يحافظ على حقوق الأطراف ويحقق قيمة اقتصادية؟.
اقرا ايضا:رقابة ميدانية على المشروعات العقارية.. تحركات حكومية لحماية حقوق المشترين وضبط السوق




















