تتعدد سنوات الغياب لكنه بحضوره ومواقفه مقيم بيننا.. بصمات أستاذنا الكبير أحمد بهاء الدين التي تحل اليوم الذكرى الـ30 على رحيله على المهنة لا تُعد ولا تُحصى، ومواقفه الوطنية لا تحتاج شهادة.
أحمد بهاء الدين.. الشخصية المتأملة الهادئة عميقة الثقافة، خاض معارك كثيرة، وله آراء جريئة في السياسة والفكر والفن والثقافة، ولا أنسى تأثير كتابيه “أيام لها تاريخ” و”فاروق ملكاً” عليّ في مرحلة مبكرة من عمري.
وربما لا يعرف الكثير من شبابنا أن الأستاذ بهاء كان نقيباً من طراز فريد، فقد سعى الصحفيون لاختياره لموقع النقيب عقب نكسة 67، وتحت إلحاحهم، اشترط حتى يوافق على قبول المهمة في هذا المناخ أن لا ينافسه أحد، وأن يستمر لدورة واحدة فقط كانت مدتها عاماً قبل صدور القانون الحالي للنقابة. وعندما رشحه النقيب الراحل حسين فهمي ليخلفه في رئاسة اتحاد الصحفيين العرب اشترط أيضاً أن يستمر لدورة واحدة فقط، ورفض كل الضغوط التي مورست عليه ليستمر لدورة أخرى.
من بين المواقف المشهودة له أثناء توليه رئاسة النقابة في هذه الفترة أنه عقب مظاهرات الطلبة عام 68 احتجاجاً على نتائج المحاكمات التي صدرت ضد المسؤولين عن هزيمة يونيو 67 والمطالبة بإعادة هذه المحاكمات، احتشد عدد كبير من الطلاب المتظاهرين أمام مبنى النقابة لإيصال صوتهم للرأي العام من خلال الصحافة، وخرج عليهم عدد من الزملاء أعضاء مجلس النقابة من بينهم الزميل الكبير الراحل سعد زغلول فؤاد الذي اعتلى كرسياً وخطب فيهم بحماس. ووجه الأستاذ بهاء الدعوة لعقد اجتماع طارئ لمجلس النقابة مساء اليوم نفسه بعد التشاور مع أعضاء المجلس “الذي كان يضم في عضويته: كامل زهيري وفتحي غانم ومحمود المراغي وعلي حمدي الجمال وصلاح الدين حافظ وسعيد سنبل وصبري أبو المجد وسامي داود ومحمود سامي وطلعت شعث ومنصور القصبي”.. وانتهى اجتماع المجلس إلى الاتفاق على تأييد موقف الطلاب وتفويض النقيب في صياغة البيان الصادر عن الاجتماع. وكانت الضغوط هائلة على الأستاذ بهاء من وزير الإعلام ورئيس الاتحاد الاشتراكي لإثنائه عن صدور هذا البيان، وقد آتى ضغطهم ثماره في بعض النقابات الأخرى، وكان رده أنه لا يملك ذلك فهو قرار لمجلس النقابة كله وليس قراره. وذهب الأستاذ بهاء إلى منزله ورفع سماعة الهاتف الأرضي “حتى لا يتلقى أية اتصالات أخرى” وكتب البيان الذي أكد فيه:
«إن مجلس نقابة الصحفيين يعتقد أن المظاهرات التى قام بها طلبة الجامعات والعمال كانت تعبيراً عن إرادة شعبية عامة، تطالب بالتغيير على ضوء الحقائق التى كشفت عنها النكسة، وبناء عليه يجب الإسراع فى محاسبة كل المسؤولين، وتعميم هذا الحساب حتى يشمل كل القطاعات والمؤسسات فى البلاد، ويجب توسيع قاعدة الديمقراطية، والإسراع فى إصدار القوانين المنظمة للحريات العامة»
انحاز البيان بوضوح لمطالب الشعب الغاضب من الهزيمة والمطالب بإعادة المحاكمة.
واستيقظ الأستاذ بهاء مبكراً وذهب إلى النقابة ليشرف بنفسه على كتابة البيان وتوزيعه على كافة الصحف ووسائل الإعلام.. وقامت الدنيا ولم تقعد وأحدث البيان دوياً وغضباً لدى القيادة السياسية، وأرادت بعض الأجهزة أن تحمل الزميل الراحل صلاح الدين حافظ سكرتير عام النقابة وقتها مسؤولية كتابة البيان وتوزيعه، فأبلغ النقيب جميع من يعنيهم الأمر أنه المسؤول وحده وهو الذي يتحمل النتائج. وعندما عرضت هذه الأجهزة على جمال عبد الناصر اعتقال أحمد بهاء الدين أو عقابه رفض عبد الناصر بحسم أي مساس به، وقال: إنه يعرفه فهو أحمد بهاء الدين وهذه رأسه، واكتفى بإرسال عتاب له عن طريق صديق مشترك هو الدكتور سامي الدروبي السفير السوري بالقاهرة الذي كان وثيق الصلة بعبد الناصر وقال له: “قل لصاحبك بهاء إنني موجوع من النكسة بما فيه الكفاية وإن البيان الذي أصدرته النقابة كان طعنة في وقت حرج”.
رحم الله الأستاذ الذي التقيته مرة واحدة بمكتبه في الأهرام ومرة بالنقابة والعديد من المرات في المسارح ودور السينما ومعارض الفنون التشكيلية وبعض الندوات التي كان يحرص على حضورها.
استمر قلم الأستاذ بهاء في معاركه دفاعاً عن قضايا وطنه وأمته، ومنحازاً للمواطن البسيط ومقاوماً لممارسات الفساد بكل صوره، وستظل سيرته حاضرة تنير لنا ظلمات أيامنا، وتؤكد أن الكلمة الحرة أقوى من أي قوة غاشمة، وأن الحق وحده هو الذي يبقى وأن الزيف مهما تجمل فإلى زوال.





















