لو رجعنا بالزمن إلى القرن الـ17 في مدينة أمستردام، هنلاقي شابًا بسيطًا بيشتغل في صقل عدسات النظارات، اسمه باروخ سبينوزا، سبينوزا ده كبر في عيلة من اللاجئين اليهود اللي هربوا من بطش محاكم التفتيش في الأندلس. ورغم إن المدينة كانت هادية ومجتمعها بيدور على الأمان، سبينوزا قرر يطرح أجرأ سؤال في تاريخ الفكر اللاهوتي والسياسي: «هل ربنا فعلًا اختار شعبًا معينًا وفضّله على باقي البشر؟».
في سنة 1670م، نزل كتاب مجهول الاسم بعنوان «رسالة في اللاهوت والسياسة». الكتاب ده قلب أوروبا كلها، ولحد النهارده بيُعتبر المشرط الفكري اللي فكك أسطورة «الشعب المختار» وفضح آليات السياسة اللي استخبت ورا الدين.
إزاي إله للكون كله يتحيّز لقبيلة؟
سبينوزا بدأ من سؤال منطقي بسيط جدًا: لو ربنا هو خالق الكون كله، إله غير محدود وموجود في كل مكان، إزاي ينزل لمستوى إنه يعمل «محاباة» أو يفضّل قبيلة واحدة عن بقية خلقه؟
شبّه سبينوزا الفكرة دي بالشمس؛ الشمس لما بتشرق الصبح بتدفّي الأرض كلها، مش بتطلع عشان تنوّر جنينة واحدة وتستخسر النور في باقي الغيطان! ولما قرأ النص الوارد في سفر التثنية (7: 6)، اللي بيقول: «إياك قد اختار الرب إلهك لتكون له شعبًا خاصًا فوق جميع الشعوب»، شاف إن ده بيناقض طبيعة الإله المطلقة، وإن الإله الحق ما بيلعبش دور «حامي القبيلة». فكرة «الاصطفاء» دي مش هبة إلهية أبدية، دي كانت فكرة بشرية، زي ما هنشوف، أملتها الظروف.
أنا شخصيًا كان عندي نظرية كده عن ديانات عصر البرونز، وإنها ديانات قبلية عائلية، لكن لما بصيت لديانة المصريين القدماء، وهي تُعتبر ديانة من عصر البرونز وحتى ما قبله، لأننا وجدنا حورس في حضارة نقادة في ما قبل الأسرات، وجدت إن الديانة المصرية رحّبت بالأجانب لو اعتنقوها، ولم تبشّر بها أو تفرضها على الدول المفتوحة، لكنها رحّبت، مثلًا، باعتناق الكوش لها، وكان من كهنة الدين مَن هم من أصول ليبية. ولم ينظر المصريون نظرة عنصرية إلى الآخر طالما لم يكن معاديًا.
بينما اليهودية حافظت على الطابع القبلي العرقي أكثر من أي ديانة برونزية أخرى، وبقيت غير تبشيرية أساسًا. لكنها أضافت آلية تحوّل رسمية، وليست إقصائية على أساس بيولوجي خالص. الإقصاء موجود (حدود واضحة بين يهودي وغير يهودي)، لكنه هوياتي-ديني أكثر منه عنصريًا بالمعنى الحديث.
استراتيجية بقاء في بابل مش مرسوم إلهي
عشان نفهم الأسطورة اتخلقت إزاي، لازم نرجع إلى القرن السادس قبل الميلاد. وقتها، أورشليم اتهدمت والهيكل اتدمر، واليهود اتاخدوا أسرى ومطاردين في السبي البابلي. هناك كان فيه خطر أشد من السيف، وهو «الذوبان الثقافي»؛ الأطفال بدأوا ينسوا لغتهم وهويتهم ويندمجوا في المجتمع البابلي.
هنا بقى ظهر ذكاء الكهنة والكتبة (زي حزقيال والكاتب عزرا). عشان يمنعوا شعبهم من الاندثار، قرروا يستعملوا أقوى سلاح في التاريخ: القصة والرواية. جمعوا التقاليد المشتتة وأعادوا صياغتها في شكل عهد إلهي كبير بيقول: «ربنا ما انهزمش، ده هو اللي بيمشي الكون، وإحنا مش مجرد مهزومين.. إحنا الشعب المختار».
وحوّلوا العادات اليومية، زي قوانين الأكل والختان وتقديس يوم السبت، إلى «درع ثقافي» صلب يمنع الاختلاط بالبابليين وشعوب المنطقة. يعني ببساطة، الاصطفاء في أصله كان حيلة سياسية واستراتيجية بقاء صاغها ناس خايفين على هويتهم من الضياع.
سبينوزا جرّد فكرة «العهد» من الغيبيات، وشافها على حقيقتها: عقد سياسي وتنفيذي بين حاكم ورعيته. ربنا بيوفر الحماية والازدهار والأرض، والشعب بيقدم الطاعة والقوانين.
وده معناه إن العهد ده ما كانش بسبب تفوق أخلاقي أو جنسي لليهود، بل كان مجرد «وظيفة سياسية» لإدارة دولة ثيوقراطية في مكان وزمان معينين. وعشان أي عقد في الدنيا بيبطل لما المؤسسة بتاعته تقع، فإن تدمير الرومان لمدينة أورشليم والهيكل سنة 70 ميلادية أنهى العقد ده رسميًا وسياسيًا. لما الدولة راحت، الوظيفة السياسية للعهد انتهت، وأسطورة الاصطفاء الأبدي المزعوم اتفسخت تمامًا.
تفسير المعجزات والأنبياء بعيدًا عن السحر
سبينوزا كان أول واحد يتعامل مع النصوص الدينية كوثائق تاريخية كتبها بشر في ظروفها، فالمعجزات هي قوانين الطبيعة، وهي إرادة ربنا الثابتة، وما ينفعش تتكسر. فلق البحر الأحمر كان بسبب رياح شرقية قوية أو جزر نادرة، والمنّ كان صمغ نبات في الصحراء، والعلّيقة المشتعلة كانت غازات طبيعية، والناس قديمًا أطلقوا كلمة «معجزة» على كل حاجة جهلوها، حسب تفسيره.
كمان الأنبياء ما كانوش سحرة بيقروا الطالع، بل كانوا مصلحين اجتماعيين ونقادًا سياسيين بيحذروا الملوك من الظلم والفساد. أما شريعة موسى، فما كانتش شريعة أخلاقية مطلقة لكل البشر، بل مجرد قانون مدني وجنائي لدولة في العصر البرونزي.
سبينوزا يدفع الثمن
الكلام ده ما كانش أفكارًا ناعمة في صالون فكري، ده كان إعلان حرب على المؤسسات الدينية. فالحرم (الـCherem): سنة 1656م، مجتمعه اليهودي أعلن عليه أشد عقوبة حرمانية وتكفير، ولعنوه في النهار والليل، ومنعوا أي حد يكلمه أو يقرب منه. وواحد متعصب حاول يقتله بسكينة في الشارع، والسكينة قطعت معطفه؛ وسبينوزا احتفظ بالمعطف المقطوع طول حياته عشان يفتكر ثمن الحقيقة.
سنة 1673م، اتعرض عليه كرسي أستاذية في جامعة هايدلبرغ بمرتب كبير وأمان، بشرط إنه ما يهاجمش الدين، لكنه رفض ورجع يصقل عدسات عشان يحافظ على حريته الفكرية. وفي النهاية، مات سبينوزا وهو عنده 44 سنة من غبار الزجاج، وأصحابه هربوا مخطوطات كتبه ونشروها سرًا.
سبينوزا كشف إن خطورة عقيدة «الشعب المختار» هي إنها بتحوّل الدين لوسيلة للتمييز والاستعلاء على بقية البشر. بينما الجوهر الحقيقي لأي دين هو محبة القريب والعدل والرحمة. وإن كرامة الإنسان الحقيقية مش بتمثال أو بورقة عقد قديمة أو بعرق يدّعي إنه مفضّل من ربنا، لكن بالعقل والضمير الأخلاقي والمعاملة الإنسانية لكل البشر بدون تفرقة.






















