أكد الرئيس عبد الفتاح السيسي، في تصريحاته الأخيرة، أن عام 2030 سيكون نهاية مدته الرئاسية، وأن الدستور لن يُمس، بالتوازي مع طرح تصور لإعداد قيادات جديدة عبر برنامج تدريبي يمتد إلى 30 شهرًا داخل الأكاديمية العسكرية المصرية. وبصرف النظر عن اتفاقنا أو اختلافنا مع هذا التصور، فإن التصريحات تضع القوى السياسية أمام استحقاق ينبغي الاستعداد له من الآن: ماذا أعدّت المعارضة المصرية لعام 2030؟
لا يتعلق السؤال فقط بمدى إتاحة الفرصة للمعارضة للمنافسة، ولا بالقيود المفروضة على المجال العام والعمل الحزبي؛ فهذه تحديات حقيقية لا يجوز تجاهلها. لكنه يتعلق أيضًا بقدرة المعارضة على مراجعة تجربتها، وتجاوز إخفاقاتها التنظيمية والسياسية، والانتقال من معارضة السلطة إلى تقديم بديل قابل للحكم.
فالتحدي الحقيقي أمام المعارضة اليوم هو الانتقال من سردية المظلومية إلى اختبار القدرة على المنافسة؛ ومن الاكتفاء بتفسير أسباب تعثرها إلى إثبات قدرتها على تجاوزها، ومن نقد السلطة إلى تقديم بديل يستطيع المواطن أن يثق فيه ويراه مؤهلًا لإدارة الدولة.
على مدار سنوات، انشغل جانب كبير من خطاب المعارضة بتفسير تراجع الحياة السياسية من خلال التدخلات الأمنية، وتضييق المجال العام، وإضعاف الأحزاب. وهي عوامل مؤثرة، لكنها لا تفسر وحدها كل أوجه القصور. فثمة سؤال ظل حاضرًا بدرجة أقل: ماذا ستفعل المعارضة إذا أتيحت لها فرصة المنافسة؟ وما برنامجها لمعالجة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية؟ ومن هم الأشخاص الذين يستطيعون تحويل هذا البرنامج إلى سياسات قابلة للتنفيذ؟
فليس كافيًا انتقاد ارتفاع الأسعار أو تراجع الخدمات أو إخفاق السياسات الحكومية؛ المطلوب تقديم بدائل واضحة، تحدد الأولويات، وتشرح مصادر التمويل، وتوازن بين الإمكانات والوعود. فالمواطن لا يحتاج فقط إلى مَن يشرح له أسباب الأزمة، بل إلى مَن يقدم تصورًا واقعيًا للخروج منها، ويقنعه بأن التغيير لن يكون مجرد استبدال أشخاص بآخرين، مع بقاء السياسات وأساليب الإدارة على حالها.
وقد كشفت الانتخابات الرئاسية الأخيرة، التي جرت في ديسمبر 2023، عن جانب من هذه المعضلة. فلم تتمكن قوى المعارضة المدنية من التوافق على مرشح واحد يحظى بدعمها جميعًا، فيما لم يتمكن أحمد الطنطاوي من استكمال متطلبات الترشح، وسط شكاوى حملته من عقبات واجهت جمع التوكيلات. ولا يمكن فصل هذه التجربة عن الظروف التي جرت فيها المنافسة، لكنها تطرح في الوقت نفسه سؤالًا عن قدرة المعارضة على التنسيق وبناء استراتيجية مشتركة.
والأهم أن الأداء المتواضع لعدد من الحملات الانتخابية في الاستحقاق الماضي كشف عن مشكلة تتجاوز أسماء المرشحين أنفسهم؛ إذ أظهر محدودية القدرات التنظيمية والإعلامية والتعبوية لدى بعض القوى المشاركة. فالحملة الانتخابية ليست مجرد مرشح يظهر في وسائل الإعلام، أو بيانات تصدرها الأحزاب، بل هي اختبار لقدرة الحزب على الوصول إلى المواطنين، وإدارة الرسائل السياسية، وحشد المتطوعين، والانتشار خارج دوائر النخب، والتعامل مع متطلبات المنافسة على الأرض.
وهنا تبرز حقيقة لا ينبغي تجاهلها: حتى لو امتلكت المعارضة مرشحًا قويًا، فإن هشاشة الحزب الذي يقف خلفه قد تحدّ من قدرته على تحويل حضوره الشخصي إلى قوة سياسية منظمة. فالمرشح لا يستطيع وحده أن يعوض غياب القواعد الحزبية، وضعف الانتشار، ونقص الكوادر، وغياب فرق إعداد السياسات وإدارة الحملات. ومن ثم، فإن الاستعداد لعام 2030 يجب أن يبدأ ببناء الأحزاب نفسها، لا بالبحث المبكر عن أسماء تصلح للترشح فقط.
كما أن جاهزية المعارضة تُقاس بقدرتها على توحيد صفوفها والاتفاق على آلية واضحة لإدارة تعدد المرشحين. فإذا تعذر التوافق على مرشح واحد منذ البداية، فهل تستطيع قواها الاتفاق على عدد محدود من المرشحين، ثم الاحتكام إلى معايير معلنة لاختيار مرشح يحظى بأوسع دعم ممكن؟ وهل تستطيع الالتزام بهذا التوافق، أم ستتغلب الطموحات الفردية والحسابات الحزبية الضيقة على أي محاولة لبناء موقف مشترك؟
ولا يعني ذلك أن الوحدة تقتضي إلغاء الاختلافات بين الأحزاب، بل أن تتحول هذه الاختلافات إلى تعددية منظمة، لا إلى تشتت يبدد فرص التنسيق. فالمطلوب ليس مجرد الاتفاق على اسم، وإنما بناء توافق حول الحد الأدنى من البرنامج، وتوزيع الأدوار، ودعم المرشح المتوافق عليه، مع الحفاظ على حق كل قوة في التعبير عن هويتها السياسية.
ويبقى إعداد الكوادر أحد أهم شروط هذا الاستعداد. فالأحزاب التي لا تعمل على تأهيل قيادات جديدة، ولا تمتلك خبرات في الاقتصاد والتشريع والإدارة المحلية والسياسات العامة، ستجد صعوبة في إقناع المواطنين بأنها مستعدة لإدارة الدولة. كما أن الحضور على وسائل التواصل الاجتماعي، مهما كان مهمًا، لا يعوض التنظيم على الأرض، ولا يغني عن التواصل المستمر مع المواطنين وفهم مشكلاتهم اليومية.
وبالطبع، لا يمكن مطالبة المعارضة بإثبات جاهزيتها بمعزل عن شروط المنافسة. فحرية التنظيم والتعبير، وإتاحة المجال للحملات، وتكافؤ الفرص، ونزاهة الإجراءات، كلها ضمانات ضرورية لأي منافسة حقيقية. لكن مسؤولية السلطة عن توفير هذه الشروط لا تلغي مسؤولية المعارضة عن بناء برامجها وأحزابها وكوادرها، بدلًا من انتظار تغير الظروف كي تبدأ الاستعداد.
إن عام 2030 ليس موعدًا انتخابيًا فحسب، بل اختبار لقدرة المعارضة على الانتقال من الاحتجاج إلى تقديم البدائل، ومن تبرير الإخفاقات إلى مراجعتها، ومن التنافس بين مكوناتها إلى بناء آليات للتوافق والعمل المشترك.
والسؤال الذي ينبغي أن تبدأ المعارضة في الإجابة عنه منذ الآن ليس فقط: هل ستُتاح لنا فرصة المنافسة؟ بل أيضًا: إذا أُتيحت هذه الفرصة، هل نملك برنامجًا واقعيًا، وأحزابًا قادرة على التنظيم، ومرشحًا يحظى بدعم واسع، وحملة تستطيع الوصول إلى المواطنين؟ أم أننا سنصل إلى 2030 ونحن نمتلك خطابًا قويًا في نقد السلطة، لكننا لم ننجز بعد الاستعداد الضروري لمنافستها؟






















