منذ عقود، ظلت الولايات المتحدة تمارس دورًا يشبه زعيم العصابة في إدارة علاقاتها الدولية، مستخدمة أدوات الابتزاز السياسي والاقتصادي لفرض أجندتها على الدول التي تحاول الحفاظ على استقلال قرارها.
ولعل التصريحات الأخيرة حول تهديد مصر بقطع إمدادات السلاح، أو المكونات العسكرية في حال عدم التزامها بالخط الأمريكي، فيما يخص الحرب الإسرائيلية على غزة وتهجير الشعب الفلسطيني و تسليم غزة، ليست سوى حلقة جديدة في سلسلة طويلة من محاولات لي الذراع التي اعتادت عليها الإدارات الأمريكية، بغض النظر عن الحزب الذي يمسك بزمام الحكم.
لكن القاهرة اليوم ليست كما كانت بالأمس. لم يعد القرار المصري رهينة لضغوط واشنطن، ولم يعد الأمن القومي المصري ورقة مساومة يمكن للبيت الأبيض التلاعب بها وفق أهوائه. إن التحرك المصري تجاه دعم القضية الفلسطينية ورفض تهجير أهل غزة يأتي في سياق رؤية أعمق تتجاوز مجرد الموقف السياسي الظرفي، بل تعبر عن التزام استراتيجي ثابت تجاه الأمن القومي العربي والمصري على حد سواء.
كامب ديفيد: ورقة مصرية لا أمريكية
لطالما استخدمت واشنطن اتفاقية كامب ديفيد كورقة ضغط على مصر، ملوحة بقطع المساعدات أو تقليص التعاون العسكري إن لم تسر القاهرة وفق الأجندة الأمريكية. لكن الواقع اليوم يفرض إعادة تقييم جذرية لهذه الاتفاقية، إذ لم تعد تلبي الاحتياجات المصرية، بل باتت قيدًا على التحركات الاستراتيجية للدولة. ومن هنا، فإن الرد الطبيعي على أي تهديد أمريكي بقطع المساعدات العسكرية يجب أن يكون بفتح ملف كامب ديفيد على الطاولة وإعادة النظر فيها، بل وربما إلغاؤها إن اقتضت الضرورة. فالاتفاقات الدولية ليست مقدسة، وإنما يتم احترامها طالما تحقق مصالح الأطراف الموقعة عليها.
إن القوة الحقيقية لأي دولة لا تكمن في المساعدات أو التسليح المستورد، وإنما في قوة قرارها السياسي، وتماسك جبهتها الداخلية، وقدرتها على فرض معادلات جديدة في الإقليم. ومصر، بوزنها السياسي والتاريخي، تملك هذه الأوراق إن قررت استخدامها.
عودة الشارع المصري: معركة الوعي قبل معركة القرار
لا يمكن لمصر أن تواجه البلطجة السياسية الأمريكية دون جبهة داخلية متماسكة. وهذا يقتضي تصالحًا داخليًا حقيقيًا يعيد قوة الشارع المصري، ويعيد تفعيل النقابات والاتحادات الشعبية، ويمنح المجتمع المدني دوره الفاعل في دعم القرار الوطني. فالأنظمة لا تستمد قوتها فقط من مؤسسات الدولة، بل من التفاف الجماهير حولها، وهذا هو الضمانة الحقيقية لأي مواجهة سياسية أو اقتصادية قادمة.
اليوم، لدى مصر فرصة ذهبية لإعادة ترتيب أولوياتها الداخلية، وإطلاق مرحلة جديدة يكون شعارها: “مصر أولًا.. حماية الأمن القومي فوق كل اعتبار”. يجب أن يكون الدعم المصري لغزة نابعًا من فهم استراتيجي، لا من مجرد رد فعل عاطفي، فغزة ليست فقط قضية إنسانية، بل هي خط الدفاع الأول عن الأمن القومي المصري، وأي تهديد وجودي يطالها يعني بالضرورة تهديدًا مباشرًا لمصر.
إدارة العالم بنمط العصابات: سقوط واشنطن الأخلاقي
لقد كشفت الحرب الأخيرة على غزة الوجه الحقيقي للإدارة الأمريكية، التي لم تعد تحاول حتى الحفاظ على قناع الحياد أو القيم الديمقراطية التي تتغنى بها. فبدلًا من لعب دور الوسيط النزيه، وقفت واشنطن بشكل فاضح في صف الكيان الصهيوني، داعمة إياه عسكريًا وسياسيًا، بل ومشاركة بشكل غير مباشر في جرائم الإبادة الجماعية عبر تزويده بالأسلحة والقنابل الذكية التي تمطر بها غزة.
إن ما تمارسه واشنطن اليوم هو بلطجة سياسية بأعلى درجاتها، إدارة دولة عظمى بعقلية مافيا دولية، تمارس التصفيات السياسية والاغتيالات وتدير العالم بمنطق العصابات. فما حدث من اغتيالات لقيادات المقاومة، وما يتم من تهديدات لمصر ودول أخرى، هو تأكيد على أن الإدارة الأمريكية لا تختلف كثيرًا عن عصابات الجريمة المنظمة التي تحكم مناطق النفوذ بالقوة والترهيب.
لكن الخطأ الأكبر الذي قد تقع فيه الولايات المتحدة هو افتراض أن كل الدول ستخضع لهذا النمط من الإدارة. مصر اليوم ليست دولة هامشية يمكن تهديدها أو ترهيبها، بل هي لاعب رئيسي في الشرق الأوسط، وقرارها السيادي ليس للبيع أو المساومة. إن المواجهة القادمة ليست فقط مواجهة سياسية، بل هي صراع بين منطق الدولة ومنطق العصابة، بين الشرعية الدولية ومنطق الغاب.
محور المقاومة: واقع جديد يفرض معادلات جديدة
ما لم يكن موجودًا في السابق، وأصبح اليوم حقيقة ماثلة أمام الجميع، هو صعود محور مقاومة شرس يمتد من غزة والضفة إلى اليمن والعراق ولبنان، بل ويتجاوز المنطقة ليصل إلى أحرار العالم الذين باتوا يدركون الوجه القبيح للولايات المتحدة. لم تعد إسرائيل قادرة على فرض معادلاتها كما كانت تفعل سابقًا، فكلما رأينا صواريخ المقاومة في غزة، ومسيرات اليمن، والعمليات النوعية في الضفة، وما يحدث في لبنان والعراق، تأكد لنا أن الكيان الصهيوني أصبح أمام معادلة لم يكن يحسب لها حسابًا.
الأهم من ذلك، أن العالم كله الآن يرى بوضوح أن من يحكم واشنطن ليس الشعب الأمريكي، بل اللوبي الصهيوني (AIPAC)، الذي يدير السياسات الأمريكية وفقًا لمصلحة إسرائيل، وليس لمصلحة الولايات المتحدة ذاتها. هذه الحقيقة، التي كانت لسنوات خفية أو يتم إنكارها، أصبحت اليوم واضحة لكل مراقب سياسي أو اقتصادي، بل وحتى للمواطن الأمريكي العادي الذي بدأ يتساءل: لماذا تدفع الولايات المتحدة تكاليف الحروب الإسرائيلية؟ ولماذا يتدخل البيت الأبيض لحماية إسرائيل على حساب مصالح أمريكا نفسها؟
إذا كان الكيان الصهيوني يعتقد أن بإمكانه تكرار سيناريوهات سابقة من القتل والتهجير دون رادع، فهو واهم. فكلما ازداد بطشه، ازدادت خسائره. وكلما زاد حجم الدمار الذي يرتكبه، كلما كان الرد أعنف وأكثر تأثيرًا. لقد انتهت أيام الحروب التي تحسمها إسرائيل في أسبوع أو شهر، واليوم باتت المواجهات تتسم بنَفسٍ طويل، وبإمكانات لم يكن أحد يتوقعها، وهذا ما يجعل المستقبل أكثر كابوسية بالنسبة لتل أبيب وحلفائها.
الفرصة المصرية: استعادة الدور وتحديد قواعد اللعبة
إن هذه اللحظة التاريخية تتيح لمصر إعادة ضبط علاقتها مع العالم على أسس جديدة، بعيدًا عن المعادلات القديمة التي فرضتها اتفاقات ما بعد 1979. يجب أن يكون موقف القاهرة واضحًا وصارمًا: لا تهديد أمريكي سيغير من ثوابتنا، ولا ابتزاز سياسي سيجعلنا نحيد عن مواقفنا الوطنية.
وفي هذا السياق، يجب أن يكون البيان المصري القادم قاطعًا:
رفض أي تهديد أمريكي بقطع المساعدات أو الدعم العسكري.
فتح ملف كامب ديفيد رسميًا للنقاش الوطني، واتخاذ موقف استراتيجي بناءً على المصالح المصرية.
إعادة بناء الجبهة الداخلية المصرية، من خلال إصلاحات سياسية واقتصادية تعزز مناعة الدولة في مواجهة التحديات الخارجية.
إطلاق حملة دولية تكشف ازدواجية المعايير الأمريكية في التعامل مع القضية الفلسطينية، وفضح التواطؤ الغربي في جرائم الإبادة.
إن المعركة القادمة ليست فقط حول غزة، بل هي معركة حول مستقبل المنطقة، وحول حق الدول في اتخاذ قراراتها السيادية بعيدًا عن ضغوط القوى الكبرى. وإذا كان للولايات المتحدة أن تحترم أي دولة، فسيكون ذلك فقط حين ترى أمامها دولة تعرف كيف تقول “لا” في الوقت المناسب. ومصر اليوم أمام فرصة تاريخية لتقولها بأعلى صوت.



















