لَقَد كانَ فينا الظُلمُ فَوضى
فَهُذِّبَت حَواشيهِ حَتّى باتَ ظُلماً مُنَظَّما
حافظ إبراهيم
ترددت بداية فبراير 2025 أنباء عن وفاة هاني عبد القادر، موظف بالإدارة العامة للمراسم والبروتوكول بدار الأوبرا المصرية، بعد شائعات قالت إنه انهار نفسياً وانتحر إثر تعنيف أُسند إلى رئيسه المباشر، فيما باحت الأخبار قبل أيام بوفاة أسامة البسيوني، مدير إدارة الباجور التعليمية بمحافظة المنوفية، جراء أزمة قلبية مفاجئة قيل إنها ناتجة عن تعنيف وزير التربية والتعليم له أمام العاملين بالمدرسة.
على الرغم من سرعة تشكيل لجان تحقيق برلمانية وإدارية في الحادثين، لم تصدر حتى الآن أحكام جنائية نهائية تؤكد بشكل قاطع ربط الوفاتين بسلوك تعنيفي مباشر من المسؤولين المعنيين، حيث أرجعت التقارير الأولى وفاة الموظف في الأوبرا إلى انتحار بغرق نفسه في النيل دون ذكر أسباب واضحة، ووصف التقرير الطبي وفاة مدير الإدارية بانهيار قلبي مفاجئ أثناء تأدية مهامه.
وإيماناً مني بأن من يستبق ويتحدث عن حقيقة ما قد يشاع من واقعات توصف على أنها جرائم جنائية دون التريُس حتى يقول القضاء كلمته فقد جانب الحكمة ،وظلم وأظلم حيث اختلس لنفسه دون وجه حق اختصاصا أصيلاً للقضاء لكونه صاحب الفصل بما يصدر عنه من أحكام جنائية باتة في كل حادثة واقعة وما تلوكها الألسن وتسطرها الأقلام.
لذا فإن مقالتي هذه لاتنهض سطورها إلى إثبات أو نفي الحادثتين فهي مَهمّة النيابة العامة والمحكمة من بعدها ، بل إلى استظهار أثر العنف والقهر الممارس من الرئيس المباشر على المرؤوس والوظيفة العامة.
فالنظام الإداري ليس مجرد تنظيم تقني لإدارة شؤون الدولة، بل هو أيضاً مسرح للعلاقات الإنسانية التي يجب أن تكتسي مبادئ الأخلاق والاحترام.
تتجلّى ظاهرتي العنف والتنمر الإداري بين الرئيس والمرؤوس كأحد التحديات الخطيرة التي تُعرقل مسيرة العمل في الأجهزة الإدارية للدولة، وتؤثر سلبًا على بيئة العمل وروح الابتكار والإنتاجية.
تجمع هذه الظاهرة وما يشابهها بين أبعاد قانونية، اجتماعية، ونفسية تكفل القوانين حماية المرؤوس من ممارسات العنف والتنمر التي قد تتسبب في آثار سلبية على صحته النفسية والبدنية وعلى الأداء المهني.
الآثار الكارثية للقهر الإداري
يؤدي الاستخدام المفرط وغير المشروع للسلطة إلى بيئة تنظيمية سامة تتسم بانخفاض رضا الموظفين، وزيادة معدلات الاستقالات، وتراجع الابتكار والكفاءة.
كما أن التعسف والتسلط الإداري يساهمان في فقدان الثقة بين أفراد المؤسسة وبين الإدارة والعاملين، مما يُضعف القدرة على تحقيق الأهداف المؤسسية.
وهو ما تتجسد به على أرض الواقع معاناة المرؤوس الذي يعيش تحت وطأة السلطة الرئاسية الجائرة والمتعجرفة.
حول مفهوم السلطة
السلطة علاقة متبادلة تعتمد على الثقة والمسؤولية؛ إذ تؤكد فلسفة الأخلاق الوجودية أن الإنسان لا يمكن أن يُفقد إنسانيته بإذابة حريته تحت وطأة القوى العليا.
كما أن السلطة ليست مجرد أداة تنفيذية، بل هي ممارسة تُستمد من المعرفة والتفاعل الاجتماعي، وأنّ استخدامها للتخويف أو الترهيب يخل بمبدأ حرية الفرد وكرامته.
ومن هنا تنبع وجهة نظر “فوكو” التي تناقش مفهوم “السلطة المعرفية” وكيفيّة استغلالها للسيطرة على الأفراد، ما يستدعي إعادة النظر في منظومة العلاقات داخل الأجهزة الإدارية.
كما يُعتبر الفكر الكانطي مؤكدًا على ضرورة معاملة كل فرد كغاية في ذاته لا وسيلة لتحقيق غايات أخرى، وهو المبدأ الذي يجب أن يتغلغل في علاقات الرئيس بالمرؤوس.
يذكر فلاسفة مثل “ميشيل فوكو” بأن السلطة المفرطة التي تُمارس عبر أساليب الترهيب تؤدي إلى فقدان الثقة في النظام الاجتماعي والسياسي، مما قد ينجم عنه اضطرابات اجتماعية عميقة. ويُبرز هذا التحليل الفلسفي أن مثل هذه الجرائم لا تشكل مجرد انتهاك قانوني، وإنما هجومًا على القيم الإنسانية والأخلاقية التي تضمن استمرار التعايش السلمي.
وبنظرة فلسفية يمكن أن أقول بأن السلطة الحقة هي تلك التي تنطلق من التوازن بين القوة والرحمة، وبين الحزم والإنسانية.
ومن هذا المنطلق يُعتبر التوجه المعتمد على العنف أو الإكراه الإداري انتهاكاً لمبادئ الحرية والعدالة التي يجب أن تقوم عليها النظم الإدارية الحديثة.
جريمة القتل بالتعنيف
تشكل جرائم القتل التي ترتكب عبر وسائل التخويف والترهيب والتعنيف تحديًا كبيرًا للنظم القانونية والاجتماعية على حد سواء. إذ لا يُقتصر تأثيرها على إزهاق الحياة فحسب، بل يمتد لخلق مناخ من الذعر والخوف يجتاح المجتمع، مما يهدد استقراره ونظامه العام.
ويستدعي هذا الواقع استجابة قانونية صارمة تُعنى بإثبات نية الجاني والربط الواضح بين الفعل والنتيجة.
برزت ظاهرة القتل الذي يُرتكب من منطلق التخويف أو الترهيب أو التعنيف كجريمة ذات وطأة خاصة، تتضمن أبعادًا قانونية وأخلاقية وفلسفية عميقة.
فالقتل بالترهيب أو التعنيف يشير إلى استخدام أساليب الترهيب أو التعنيف اللفظي أو الإجرامي المتمثلة في التهديدات المستمرة التي تتصاعد حتى تصل إلى إحداث الوفاة، بما يؤثر حتما على استقرار مؤسسات الدولة.
مكافحة العنف الإداري
تمثل النصوص القانونية المتعلقة بمكافحة العنف الإداري إطاراً يهدف إلى ضمان عدم استغلال السلطة بصورة تعسفية في العلاقات الإدارية، والحفاظ على بيئة عمل خالية من أي ممارسات تؤثر سلباً على كرامة الموظفين.
بحيث يلتزم كل من الرئيس والمرؤوس في الجهاز الإداري بالدولة بمعايير أخلاقية وقانونية تضمن تحقيق العدالة في المعاملة، ويُعتبر تطبيق مثل هذه النصوص وتأكيد المحكمة على جواز محاسبة المسؤولين عن ممارساتهم التعسفية خطوة هامة نحو بناء مؤسسات إدارية مستقرة وشفافة.
حيث تُوفر تلك التشريعات نصوصاً ملزمة تفرض على صاحب العمل توفير بيئة عمل خالية من كل أشكال العنف الجسدي والنفسي، ويُعدّ التعنيف الإداري جزءًا من تلك الممارسات المحظورة.
الروشتة: تعزيز الشعور بالانتماء والرضا الوظيفي
تتجسد أهمية العلاقة الصحية بين الرئيس والمرؤوس في الجهاز الإداري للدولة في كونها العامل الأساسي الذي يساهم في تحقيق بيئة عمل متكاملة، تتسم بالكفاءة والإبداع والاستقرار النفسي.
فعندما يشعر الموظف بأنّه جزء من فريق متجانس يعمل بروح التعاون، ينعكس ذلك إيجابًا على صحته النفسية والإحساس بالرضا، مما يحد من احتمالات حدوث مشاكل صحية مرتبطة بالتوتر المزمن.
كم أن بناء علاقة قائمة على الثقة والشفافية والاحترام المتبادل ليس فقط مطلبًا تنظيميًا، بل هو استثمارٌ في رأس المال البشري الذي يعد حجر الزاوية في نجاح أي جهاز إداري.
خلاصة
إن الظاهرة التي تناولناها اليوم، وهي العنف والتنمر الإداري، تستدعي وعيًا قانونيًا وثقافيًا وتربويًا مشتركًا؛ ففي ظلّ الأنظمة الإدارية المتطورة، يصبح من الضروري إقامة دورات تدريبية وتطويرية تُعنى بتعزيز مهارات القيادة الإيجابية، كما يجب تنشيط الأجهزة الرقابة العليا والداخلية بكل مؤسسة بما يضمن حماية حقوق الأفراد وتعزيز آليات الرقابة على ممارسات السلطة.
لقد أدركنا من خلال هذه المقالة أن العنف والتنمر الإداري لا يمثلان فقط انتهاكًا للقواعد القانونية، بل هما أيضًا هجمات على الكرامة الإنسانية التي يجب حمايتها بكل الوسائل القانونية والأخلاقية. ويتطلب التصدي لهذه الظاهرة تبني منظومة شاملة تجمع بين النصوص القانونية الرصينة، ونشر الوعي بالغاية الأساسية من مهام التدرج الوظيفي.
وللحديث بقية دمتم سالمين.

















