ده المقال التالت من سلسلة مقالات المخدرات والإدمان في تاريخ مصر، بعد ما تناولنا مصر القديمة والعصر اليوناني الروماني. المخدرات زي الحشيش والبنج والأفيون كانت جزء من الحياة في مصر أيام العصور الإسلامية، من دخول العرب في 641 ميلادي لحد العثمانيين (1517-1805م)، مكانتش بس بتستخدم في العلاج الطبي، زي في بيمارستان المنصوري، لكن كمان في الطقوس الصوفية، والحياة الاجتماعية، وحتى في القصص الشعبية اللي كانت بتتحكي في الأسواق والمقاهي.

وظاهرة الإدمان كمان كانت موجودة، رغم إنها مكانتش موثقة زي دلوقتي، بس المصادر التاريخية زي كتب ابن إياس والمقريزي بتتكلم عن ناس وقعت في إدمان الحشيش أو الأفيون، وده أثر على حياتهم وسلوكهم.
في مصر أيام العصور الإسلامية، المخدرات زي الحشيش والبنج والأفيون كانت معروفة كويس.
الحشيش كان الأكثر انتشارًا، وكان بيستخدم في الزوايا الصوفية عشان يوصلوا لحالة الوجد الروحي، وكمان بين الجنود والناس العادية في القاهرة.
ابن إياس في بدائع الزهور قال إن الحشيش كان شايع أيام المماليك، وإن السلطان الناصر محمد بن قلاوون حاول يحظره عشان كان بيأثر على أداء الجنود، بس الناس كانت بتستخدمه في السر.

ظاهرة الإدمان على الحشيش كانت موجودة، زي ما ذكر ابن تغري بردي في النجوم الزاهرة، حيث إن بعض الجنود والعامة بقوا مدمنين، وده أدى لمشاكل زي الإهمال في الشغل أو السلوك العدواني.
الأفيون كان بيستخدم في المستشفيات زي بيمارستان المنصوري لتسكين الألم، زي ما وثّق المقريزي في السلوك لمعرفة دول الملوك، بس كان فيه ناس بتستخدمه للمتعة لحد ما بقوا مدمنين.

المقريزي ذكر إن إدمان الأفيون كان بيخلّي الناس يفقدوا السيطرة على نفسهم،وده كان بيسبب مشاكل اجتماعية.
البنج، اللي هو مستخلص من نبات المندراكورا، كان بيستخدم في العمليات الجراحية،

زي ما قال ابن سينا في القانون في الطب، بس كان نادر شوية عشان كان بيسبب التسمم، ومكانش فيه إدمان عليه زي الحشيش والأفيون لأن استخدامه كان مقتصر على الأطباء.
الصوفيين كانوا من أكتر الناس اللي استخدموا الحشيش، خصوصًا في الزوايا، عشان يحسوا بالنشوة الروحية.
فرانز روزنتال في كتابه The Herb قال إن الحشيش كان شايع في القاهرة أيام الفاطميين والمماليك،

بس كان فيه جدل كبير بين الفقهاء. بعضهم شاف إنه حرام زي الخمرة (سورة المائدة، الآية 90)،
والبعض التاني قال إنه ممكن يستخدم بحذر لو كان لأغراض روحية. إدمان الحشيش كان مشكلة في بعض الزوايا، لأن الصوفيين اللي بيستخدموه كتير كانوا بيفقدوا التركيز ويبطلوا شغلهم اليومي.
في خطط المقريزي ها نلاقي مقتطف لأحد مشايخ الصوفية من منطقة افغانستان يقول فيه: “بينما أنا في خلوتي إذ خطر ببالي الخروج إلى الصحراء منفردًا فخرجت فوجدت كل شيء من النبات ساكنًا لا يتحرك لعدم الريح وشدّة القيظ ومررت بنبات له ورق فرأيته في تلك الحال يميس بلطف ويتحرّك من غير عنف كالثمل النشوان فجعلت أقطف منه أوراقًا وآكلها فحدث عندي الارتياح كما شاهدتموه وقوموا بنا حتى أوقفكم عليه لتعرفوا شكله”.

الأقليات زي الأقباط واليهود كانوا بيستخدموا الخمرة في طقوسهم الدينية، زي أعياد القديسين وعيد الفصح.
ابن إياس قال إن فيه حانات سرية في القاهرة كانت بتقدم النبيذ، وكان فيه حالات إدمان خمرة بين الأقليات، بس مكانتش منتشرة كتير عشان القيود الاجتماعية، اليهود كانوا نشيطين في تجارة الأفيون من الهند،
دول يمكن كانوا بيستخدموه في العلاج أو الترفيه، بس مافيش توثيق واضح لإدمانه. النوبيين والأمازيغ كانوا بيستخدموا أعشاب محلية في الطب التقليدي،
اقرأ أيضًا: وائل عباس يكتب لموقع الحرية: المخدرات والإدمان في مصر البطلمية والرومانية.. ظواهر جديدة وتبلور لشكل الإدمان
ومكانش فيه إشارات قوية لإدمان الحشيش أو الأفيون بينهم. الغجر، اللي وصلوا في العصر العثماني، كانوا بيستخدموا الحشيش أحيانًا، وكان فيه حالات إدمان موثقة بشكل بسيط في القصص الشعبية.
تسامح وضرائب
كان فيه أماكن زي الحانات والمقاهي اللي كانت بتقدم الخمرة والحشيش، بس غالبًا كانت شغّالة في السر عشان الحظر الديني. في العصر المملوكي،
ابن إياس قال إن فيه حانات في أحياء الأقباط بالقاهرة كانت بتقدم النبيذ للأقباط واليهود، وكانت بتدفع رسوم غير رسمية للسلطات علشان يسمحولهم يشتغلوا.
إدمان الخمرة كان موجود بين بعض الأقليات، بس مكانش منتشر زي الحشيش عشان القيود الاجتماعية.
في العصر العثماني، الجبرتي في عجائب الآثار قال إن المقاهي بقت بتقدم الحشيش مع القهوة والتبغ، وكانت بتدفع ضرايب رسمية للدولة.

المقاهي دي كانت بتجذب ناس من كل الطبقات، وكان فيه حالات إدمان الحشيش بين الزباين اللي بيروحوا هناك كل يوم، زي ما ذكر الجبرتي عن ناس بقت “مخبوطة” من كتر التعاطي.
التسامح مع الأماكن دي كان بيختلف حسب الزمن. في العصر الفاطمي، كان فيه تسامح أكبر مع الخمرة والحشيش، خصوصًا بين الشيعة والأقليات.
لكن في العصر المملوكي، السلاطين زي الناصر محمد حاولوا يحظروا الحشيش عشان الإدمان كان بيأثر على الجنود، بس مكانش فيه نجاح كبير، في العصر العثماني، الدولة بقت أكتر تسامحًا عشان الفلوس اللي كانت بتيجي من الضرايب.
في السير الشعبية
القصص الشعبية والسير اللي كانت بتتحكي في الأسواق والمقاهي كانت بتعكس الحياة اليومية والمشاكل الاجتماعية، بما فيها الإدمان.
المخدرات زي الحشيش والبنج والأفيون كانت بتظهر في القصص دي، بس غالبًا بشكل رمزي أو درامي عشان يخدم القصة.
في ألف ليلة وليلة، الخمرة والحشيش والأفيون كانوا بيظهروا كتير، في قصة علي بابا والأربعين حرامي، الخمرة استخدمت عشان تسكر اللصوص وتخليهم يفقدوا الوعي.
اقرأ أيضًا: وائل عباس في حواره لـ«الحرية»: المشهد الانتخابي مخيب للآمال.. ولا يجوز أن نُخرج شخصًا بعفو ونُدخل آخر مكانه
في قصة النائم واليقظان، فيه مسحوق مخدر (يمكن حشيش) بيخلّي الشخصية تنام عشان تدور الأحداث، الأفيون ظهر في حكايات زي السندباد البحري كمادة تخدير.
القصص دي بتعكس الواقع في القاهرة، زي الحانات السرية اللي ذكرها ابن إياس، إدمان الخمرة أو الحشيش كان بيصوَّر كحاجة سلبية، زي إن الشخصيات اللي بتسكر بتفقد السيطرة وتتعرض للمشاكل.
سيرة علي الزيبق مليانة قصص عن دهاء البطل، في حكاية،علي بيستخدم مسحوق مخدر (يمكن حشيش أو بنج) عشان يخلّي الحراس يناموا ويسرق كنز، في قصة تانية، بيحط مادة في الأكل بتاع الأعداء، ودي ممكن تكون أفيون.

الإشارات دي بتعكس المعرفة عن المخدرات في القاهرة، زي ما وثّق المقريزي، إدمان الحشيش ظهر في قصة عن شخصية ثانوية بقت مدمنة وخسرت كل حاجة، وده بيعكس التحذير من الإدمان اللي كان موجود في المجتمع.
مقتطف من سيرة علي الزيبق طبعة القاهرة قرن 19: “وأراد علي الزيبق أن يدخل خزانة الكنز، فوجد الحراس كالصخور لا يغفلون. فذهب إلى عطّار في سوق القاهرة،
وقال: ‘أعطني ما يجعل الرجال يغرقون في النوم.’ فأعطاه العطّار كيسًا فيه مسحوق، وقال: ‘ضعه في طعامهم، فإنه سيجعلهم كالموتى.’ فوضع علي المسحوق في طعام الحراس، فما هي إلا ساعة حتى سقطوا نائمين كأنما أصابهم سحر. ولكن كان من أصحابه رجل يُدعى سليمان، أخذ من هذا المسحوق كثيرًا، فأصبح يطلبه كل يوم حتى صار لا يقوى على شيء بدونه، فخسر مكانته.”
في سيرة الظاهر بيبرس، الحشيش بيظهر كمادة بتستخدمها الأعداء أو الجنود المنشقين، وبيبرس بيستغل ضعفهم عشان يغلبهم.
في قصة، جندي مدمن حشيش بيفقد يقظته ويخسر معركة. كمان فيه قصة عن جندي مصاب بياخد مسحوق بيهدّي الألم (يمكن أفيون أو بنج)، بس بيبقى مدمن عليه بعد كده.
وائل عباس: وائل عباس يكتب: بوب مارلي.. الحقيقة وراء جعله رمزا لثقافة المخدرات
الإدمان هنا بيصوَّر كضعف بيأثر على الأداء العسكري، وده بيتماشى مع مشاكل الجنود المماليك زي ما قال ابن تغري بردي.
مقتطف من سيرة الظاهر بيبرس طبعة بيروت قرن 19: “ولاحظ بيبرس أن حراس العدو يتناولون في الليل عشبة غريبة تنبعث منها رائحة كريهة، فتجعلهم يفقدون اليقظة. فقال لأصحابه: ‘إن هؤلاء يتناولون ما يُذهب عقولهم، فهم في الليل كالمخمورين.’ فخطط بيبرس للهجوم ليلاً، فوجدهم نائمين لا يشعرون، فانتصر عليهم بسهولة. لكن من جنوده رجل كان يتعاطى تلك العشبة بكثرة، فصار لا يقاتل إلا وهو في غيبوبة، فطرده بيبرس من جيشه.”
سيرة بني هلال بتركز على الحياة البدوية، بس فيها إشارات نادرة لمواد مخدرة.
في بعض القصص، فيه أعشاب بتستخدم للعلاج أو تخدير الأعداء، ويمكن تكون حشيش أو أفيون. في قصة، شخصية بتستخدم الحشيش كتير لحد ما بتفقد السيطرة على نفسها،

وده بيعكس تحذير من الإدمان. الإشارات دي بتتماشى مع التفاعل التجاري مع مصر والشام، حيث كان الحشيش شايع.
الإدمان كان مشكلة حقيقية في مصر أيام العصور الإسلامية، رغم إن المصطلح نفسه مكانش مستخدم زي دلوقتي، ابن إياس وابن تغري بردي ذكروا إن إدمان الحشيش كان بيأثر على الجنود والعامة، وكان بيخلّيهم يبطلوا شغلهم أو يتصرفوا بعنف.
الأفيون كان بيستخدم في العلاج، بس لما الناس كانت بتستخدمه برا المستشفيات، كانت بتبقى مدمنة وتفقد السيطرة، زي ما وثّق المقريزي، في القصص الشعبية، الإدمان كان بيصوَّر كحاجة بتدمر حياة الشخصيات.

زي قصة “الفتى الحشاش” اللي خسر كل حاجة بسبب إدمانه، أو الجندي المملوكي اللي بطل شغله بسبب الأفيون. الإدمان كان بيعتبر عيب اجتماعي، وكان بيتربط بالضعف أو الانحراف في السير.
المراجع
ابن إياس، بدائع الزهور في وقائع الدهور.
المقريزي، السلوك لمعرفة دول الملوك.
ابن تغري بردي، النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة.
الجبرتي، عبد الرحمن. عجائب الآثار في التراجم والأخبار.
ألف ليلة وليلة (طبعات مختلفة).
سيرة علي الزيبق، سيرة الظاهر بيبرس، سيرة بني هلال، سيرة عنترة بن شداد، سيرة سيف بن ذي يزن، سيرة الدلاهمة، سيرة الأميرة ذات الهمة (طبعات شعبية).
Rosenthal, Franz. The Herb: Hashish versus Medieval Muslim Society. Leiden: Brill, 1971.
ابن سينا، القانون في الطب.
ابن البيطار، الجامع لمفردات الأدوية والأغذية.
Lane, Edward William. An Account of the Manners and Customs of the Modern Egyptians





















