شهدت مصر خلال السنوات الماضية محاولات جادة لفتح المجال أمام قيادات شابة جديدة عبر البرنامج الرئاسي لتدريب الشباب على القيادة، والأكاديمية الوطنية لتدريب الشباب، وتنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين، إلى جانب نماذج المحاكاة والكيانات الشبابية وحواضن الكوادر داخل المؤسسات والأحزاب.
ورغم أهمية هذه الجهود في ظل مرحلة سياسية معقدة، فإنها بقيت أقرب إلى مبادرات منفصلة من أن تشكل منظومة متكاملة لإنتاج نخبة قادرة على قيادة المستقبل.
أسهمت هذه البرامج في ظهور وجوه جديدة وأكدت أن التجديد ممكن، لكنها واجهت تحديات جوهرية، من بينها محدودية المسارات المهنية، وضعف فرص التجريب السياسي، والاعتماد على الانتقاء في بعض الحالات بدل المنافسة المفتوحة، وغياب آليات تبادل الخبرات المنتظم بين الأجيال.
غير أن التحدي الأعمق يكمن في أن جزءًا من أمراض النخبة القديمة انتقل إلى بعض عناصر النخبة الجديدة. فبدلًا من خلق ثقافة مختلفة تقوم على الجرأة والتفكير النقدي، تسرّبت ممارسات تعيق التطور: التردد، والشخصنة، والانغلاق، وضعف العمل الجماعي وكراهيته أحيانا، ومحاولات تشكيل دوائر نفوذ ضيقة.
وإلى جوار ذلك، تسرب أحيانًا نمط خطير من مظاهر الفساد غير المباشر، مثل السعي لتبادل المنافع بدل تبادل الخبرات، وتقديم الولاءات على الكفاءة، والخلط بين النفوذ المؤسسي والمصالح الشخصية، وإعادة إنتاج شبكات النفوذ القديمة بروح جديدة ولكن بأدوات عفا عليها العصر. وهذه الممارسات تنشأ عادة حين يغيب المناخ المفتوح الذي يسمح بظهور قيادات حقيقية عبر منافسة حية وتفاعل مباشر مع المجتمع.
وفي هذا السياق، ومع حالة الحوار السياسي العميق التي تشهدها مصر حاليًا بعد توجيه السيد الرئيس في 17 نوفمبر، تصبح فكرة “كشاف النخب” ضرورة استراتيجية لاكتشاف الكفاءات الفعلية في كل أنحاء المجتمع، لا سيما في القرى والنجوع، حيث تظهر القيادات الطبيعية التي أثبتت قدرتها على إدارة شؤون المجتمع المحلي وتحقيق تأثير ملموس.
وتساعد هذه العملية على تحاشي مركزية النخب وتوسيع قاعدة القيادة بحيث لا تبقى محصورة في الأطر الحزبية أو المؤسساتية التقليدية، بل تُفتح للمجتمع نفسه، ما يضمن تنوعًا حقيقيًا ويزيد فرص التجديد النوعي.
في المقابل، لا تزال هناك نخب وطنية صامتة داخل دولاب الدولة لم تجد مساحات تمكين كافية رغم خبرتها وكفاءتها، وتحتاج إلى من يكتشفها ويدمجها في مسارات فعلية للصعود.
كما أن جيل الوسط، الذي خرج من حسابات التمكين نتيجة الإفراط في التركيز على الشباب صغير السن من جهة، والاعتماد على الخبرة التقليدية من جهة أخرى، يستحق إطارًا يمثل دوره ومساحته، مثل اتحاد مهني أو مجتمعي يعيد توظيف خبراته ويضمن التكامل بين طاقات الشباب وخبرة الماضي.
نجاح أي عملية تجديد يتطلب كذلك برامج تدريب تصعيدية متعددة المستويات يقودها أكاديميون وخبراء، بحيث ينتقل المتدرب من المعرفة إلى التطبيق ثم التجريب العملي، بدل الاقتصار على مسار واحد محدود. ويحتاج التجديد إلى بيئة سياسية مستدامة تسمح بحرية التفكير النقدي، وتوفير مسارات مهنية واضحة للكفاءات، وتعزيز مهارات العصر الحديث مثل الاقتصاد الرقمي، والتحول الأخضر، وإدارة البيانات، والدبلوماسية العامة، مع نقل الخبرات بين الأجيال لمنع القطيعة الفكرية وإعادة إنتاج أخطاء الماضي.
ولا تحتاج مصر إلى نسخ نموذج خارجي، بل إلى الاستفادة من التجارب الدولية الناجحة التي بنت نخبًا قوية عبر برامج مستدامة، وتعددية شفافة، ومجتمع مدني منتج للقيادات، مع ثقافة محاسبة تضمن صعود الأكفأ وتراجع الأقل أداءً بغض النظر عن العمر أو الانتماء.
ختامًا، إن الانتقال من بناء البنية التحتية إلى بناء الإنسان والنخبة ليس رفاهية، بل ضرورة لاستدامة مشروع الدولة في العقد القادم.
والتجديد الحقيقي لا يتحقق بمجرد تبديل الوجوه، بل عبر إعادة بناء الثقافة والمؤسسات وخلق منظومة إنتاج قيادات قادرة على التفكير والابتكار والعمل بشجاعة، إنها لحظة مناسبة لتجديد الدماء… وبناء نخبة جديدة قادرة على قيادة مصر نحو المستقبل بثقة واستحقاق.


















