لا زلت أحتفظ بذاكرتي حيّة منذ كنت في الثامنة عشرة من عمري، حين سمعت كلمات عالمنا الشهير الدكتور أحمد زويل عند فوزه بجائزة نوبل في أكتوبر 1999، إذ قال إن هناك “جيشًا فعليًا” من 150 باحثًا شابًا في جامعة كالتك ساهموا في إنجازاته العلمية.
تلمسني هذه الكلمات في كل مرة اسمع فيها عن انجاز او فرحة نصر، فهي تذكّرني بأن وراء كل جهد عظيم روح جماعية صادقة وتعاون متواصل، وأن العمل المؤسسي المنسق هو ما يمنح الإنجاز استدامته وقيمته.
وهذا ينطبق تمامًا على الأمانة الفنية للمجلس القومي لحقوق الإنسان، حيث ينبض قلب كل تقرير وتحليل بجهود هذا الفريق المخلص والصامت.
وبرغم أن الأنظار غالبًا ما تتجه إلى رئيس المجلس وأعضائه والأمين العام عند ظهور النتائج، فإن الجهد الحقيقي والقرارات المبنية على المعرفة تتم داخل وحدات الأمانة الفنية، التي تشكل الركيزة الأساسية لاستمرارية الأداء ونجاح الحركة الحقوقية في مصر.
يتألف الجهاز الفني من حوالي 140 عضوًا تقريبًا، ويعمل كمطبخ أصلي لكل أعمال المجلس، خاصة في ظل عدم تفرغ أعضائه. هذا العدد الكبير من الكوادر المتخصصة مكّن المجلس من الاستمرار في أداء مهامه بكفاءة عالية، حتى في أصعب الظروف.
بدأت قوة هذا الجهاز الفني عبر تراكم الخبرات منذ عهد الدكتور بطرس بطرس غالي، مرورًا بدور السفير مخلص قطب والأستاذ الراحل محسن عوض—رحمه الله—الذين ساهموا في ترسيخ تقاليد مهنية صارمة ومنهجيات دقيقة للتحليل وإنتاج المعرفة.
هذا التراكم صنع “الذاكرة المؤسسية” للمجلس، وهي أساس صلابته واستمراريته، ويجعل موقعه أكثر ثباتًا مقارنة بالتجارب الدولية في المغرب والأردن وكندا والفلبين.
ينتمي العديد من كوادر الأمانة الفنية إلى خلفيات علمية راسخة، ويحمل بعضهم درجات الدكتوراه والماجستير في مجالات القانون العام وحقوق الإنسان والعلوم السياسية. وبفضل هذا التنوع العلمي، أصبح الأداء الحقوقي في مصر أكثر ارتباطًا بالبحث والتحليل والبيانات، بما يتماشى مع التوجه العالمي نحو “العمل الحقوقي القائم على الأدلة”.
ويحدد القانون رقم 94 لسنة 2003، وتعديلاته بالقانون رقم 197 لسنة 2017، واللائحة التنفيذية للمجلس، اختصاصات الأمانة الفنية، والتي تشمل إعداد الدراسات والتقارير الحقوقية، ومتابعة توصيات المجلس، وتقديم الدعم الفني لأعضائه، وجمع وتحليل البيانات المتعلقة بحقوق الإنسان، والمساهمة في إعداد مشاريع السياسات والتشريعات، بما يضمن الالتزام بالمعايير الوطنية والدولية.
تعززت قيمة الأمانة الفنية من خلال عملها الدؤوب في تجميع البيانات وتحليلها، وإعداد الصياغات الأولية للتقارير السنوية للمجلس، وصولًا إلى صياغة تقرير الرد على ملاحظات لجنة الاعتماد الدولية تحت قيادة رئيس المجلس وأعضاء بارزين.
هذا الإنجاز أبرز قدرتها على تقديم ردود دقيقة ومتماسكة تجمع بين الأسانيد القانونية والوقائع العملية، وعرض موقف الدولة والمجلس على نحو مهني ومنضبط، مما عزز موقع المجلس دوليًا.
ولم يقتصر دور الأمانة الفنية على العمل اليومي، بل حافظت على استمرارية أداء المجلس ومهامه بحرفية عالية خلال المرحلة الانتقالية بعد عام ٢٠١١، وتصدت بحزم لمحاولة أخونة عمل المجلس خاصة أثناء الشهور الثلاثة الأخيرة السابقة لثورة ٣٠ يونيو.
كما أعدت الأمانة الفنية، بالتعاون مع أعضاء المجلس، تقارير مهمة للجان تقصي الحقائق، وساهمت في دعم حقوق الإنسان بشكل ملموس، سواء خلال فترة 25 يناير أو فيما يتعلق بفض اعتصام رابعة، مما عزز مصداقية المجلس محليًا ودوليًا.
ويمتد تأثير الأمانة الفنية إلى خارج نطاق المجلس، من خلال تقاريرها وتوصياتها، التي أسهمت في تطوير السياسات العامة وتحسين أداء المؤسسات الحكومية، لا سيما في ملفات السجون والاحتجاز والحقوق الاقتصادية والاجتماعية.
كما شاركت الأمانة الفنية مع أعضاء المجلس في تدريب القيادات الحكومية والمجتمعية على أسس حقوق الإنسان، بما ساهم في بناء قدرات المؤسسات المختلفة للعمل وفق المعايير الدولية.
ولتقوية دور الأمانة الفنية وضمان استدامة أثرها، والبناء على جهود التطوير المتميزة التي يقودها الأمين العام للمجلس، من الممكن تعزيز استقلاليتها الفنية وتوفير برامج تدريب منتظمة، إلى جانب تطوير آليات لتوثيق التجارب والممارسات السابقة بما يرسخ الخبرات والذاكرة المؤسسية.
كما يُستحسن إنشاء فرق مشتركة عابرة للتخصصات والملفات، وفتح المجال للمتطوعين والزمالات المهنية من خارج المجلس لتعزيز الإبداع وتبادل الخبرات. ويمكن أيضًا إنشاء قاعدة معرفة رقمية داخل الأمانة الفنية، تشمل التقارير السنوية والدراسات وملخصات تدريبية وأفضل الممارسات، لتكون مرجعًا دائمًا للكوادر الحالية والمستقبلية.
ومن بين الخطوات الاستراتيجية لدعم التطوير قيام المجلس بتحمل جزء من تكلفة الدراسات العليا للباحثين والكوادر العلمية، إلى جانب دراسة إمكانية إقامة برامج معايشة داخل المؤسسات الوطنية الحقوقية في عدد من الدول بالتعاون مع الجهات الدولية المهتمة والمانحة. وتساهم هذه المبادرات في ربط التطوير الداخلي بالتجارب الدولية، بما يعزز جودة الأداء ويثري قاعدة المعرفة المؤسسية.
كما يُستفاد من تعزيز التواصل بين القيادة والجهاز الفني لضمان اتساق الرؤية وصنع القرار القائم على المعرفة، وتوسيع الشراكات مع المؤسسات النظيرة دوليًا، للاستفادة من التجارب الدولية في أدوات الرصد والتقييم، بما يسهم في تطوير الأداء وتثبيت موقع المجلس على المستوى الوطني والدولي.
ومن بين المطالب العملية التي تدعم الكوادر، زيادة الأجور لتتماشى مع مثيلاتها في المؤسسات الوطنية المماثلة، ودعم صندوق العاملين بالمجلس ماليًا، وزيادة التعويضات التأمينية للمحالين للمعاش، والإسراع في إنهاء هيكلة المجلس وفتح باب الدرجات الوظيفية للعاملين، وتحسين مستوى أداء العاملين بالفروع وزيادة عددهم لضمان تغطية أفضل لكافة المحافظات.
كما يُستحسن إدراج تطوير عمل الأمانة الفنية ضمن الممكنات الخاصة بالاستراتيجية الوطنية الجديدة لحقوق الإنسان 2026-2030، بما يضمن ربط الأداء الداخلي بالمستهدفات الوطنية وتعزيز أثر المجلس على المستوى الوطني والدولي.
إن الأمانة الفنية ليست مجرد جهاز داخلي يدعم الأداء اليومي للمجلس، بل هي الركيزة الأساسية لنجاح الحركة الحقوقية في مصر.
جهود أعضائها المتميزة وراء كل إنجاز وقرار أثبتت أن المستقبل الحقوقي يُبنى على مهارات وخبرة ومعرفة تراكمت على مدار عقود، وبالتالي فإن الاعتراف بدورهم ودعمهم ليس رفاهية، بل استثمار في استقرار المجلس واستدامة حقوق الإنسان، وبناء مصر قادرة على حماية حقوق مواطنيها على أسس علمية ومهنية صلبة.
وتظل الدعوة مفتوحة لتكريم الكوادر وإبراز النماذج الناجحة منهم، والاحتفاء بمساهماتهم الكبيرة في النهوض بحقوق الإنسان في مصر، ليكونوا مثالًا يُحتذى ويُلهم الأجيال القادمة، مع التأكيد على أن دعمهم وتقدير جهودهم هو استثمار حقيقي في مستقبل الحقوق والحريات.




















