استكمالًا لمقالي السابق الذي دعوت فيه إلى ميثاق لـ حوكمة العمل الحزبي، أجد من الضروري التوقف أمام الدور المتنامي للجنة شؤون الأحزاب في المشهد السياسي خلال الفترة الماضية.
فقد كانت اللجنة حاضرة في تأسيس أحزاب جديدة مثل الوعي والجبهة الوطنية، كما ينتظر منها أن تضطلع بدور أكبر في معالجة الخلافات التنظيمية التي ظهرت داخل بعض الأحزاب عقب انتخابات مجلس الشيوخ الأخيرة، بما يساهم في دعم استقرار التجربة الحزبية قبيل استحقاقات انتخابية مرتقبة.
وفي إطار السعي لتعزيز الشفافية وتطوير الأداء المؤسسي، تبدو الحاجة ملحّة لأن تتبنى اللجنة آليات جديدة تتناسب مع توجه الدولة نحو التحول الرقمي.
فإطلاق موقع إلكتروني رسمي ومحدث للجنة يمكن أن يشكّل نقلة نوعية، إذ يتيح للجمهور والمتخصصين قائمة معتمدة بالأحزاب السياسية تشمل بياناتها الأساسية، وبرامجها، ولوائحها الداخلية والتي تعتبر سرًا حربيًا في كثير من الأحزاب، وهياكلها التنظيمية، وعناوين مقراتها الرئيسية في القاهرة والمحافظات.
كما يوفّر هذا النظام الإلكتروني قناة تواصل فعالة لقيام الأحزاب بإخطار اللجنة أولًا بأول بأي تعديلات تمس هياكلها القيادية أو نظمها الأساسية وفقًا للقانون.
وفيما يتعلق بدور اللجنة في تنظيم وضع الأحزاب تحت التأسيس، يبرز، كما أشار الباحث البرلماني المخضرم عبد الناصر قنديل في عام 2024، أهمية وضع قواعد واضحة تُسهل على هذه الأحزاب استكمال إجراءاتها القانونية، وتحدد ما يُسمح لها بالقيام به خلال فترة التأسيس، بما يضمن التزامها بالقانون دون المساس باستقلاليتها أو التدخل في شؤونها الداخلية.
كما يمكن دمج هذه المبادرة مع تعزيز الديمقراطية الداخلية للأحزاب القائمة والجديدة، عبر اعتماد لائحة استرشادية توضح كيفية عقد مؤتمرات دورية وانتخاب قيادات بشكل شفاف، مع وضع ضوابط واضحة لمتابعة الالتزام باللوائح الداخلية لكل حزب، بما يعزز الانضباط الداخلي ويضمن مشاركة فعالة للأعضاء في اتخاذ القرار، خاصة في الأحزاب الناشئة أو الأقل شهرة.
وتجدر الإشارة إلى تجربة ناجحة مشابهة عند إقرار قانون الرياضة رقم 71 لسنة 2017، حيث ألزم في مادته الرابعة اللجنة الأولمبية المصرية بوضع لائحة استرشادية للنظم الأساسية للهيئات الرياضية لتوجيه عملها عند توفيق أوضاعها.
إن الرؤية الإصلاحية المنشودة تقتضي أن تتحول لجنة شؤون الأحزاب إلى منصة داعمة للتعددية والتنافسية الحزبية، عبر تعزيز الشفافية، وضبط الهياكل التنظيمية، وتيسير إجراءات العمل الحزبي في إطار قانوني واضح.
ويمكن الاستفادة من التجارب العالمية في هذا المجال، مثل ألمانيا، حيث تُلزم الأحزاب بتقديم تقارير مالية سنوية دقيقة تُنشر على موقع البرلمان، وفي المكسيك، تُلزم الأحزاب بتنظيم مؤتمرات منتظمة وإجراء انتخابات قيادية بطريقة شفافة لضمان المساءلة الداخلية.
ومن شأن تبني هذه الإصلاحات الرقمية والتنظيمية أن يمكّن اللجنة من استعادة دورها كأحد أعمدة النظام السياسي، وأن يسهم في ترسيخ ثقافة ديمقراطية مستدامة تتماشى مع رؤية مصر 2030، ويحفز المجتمع الحزبي على العمل وفق معايير شفافة وواضحة، مع الحفاظ على استقلالية كل حزب وتشجيع المشاركة الفاعلة لجميع الأعضاء في صنع القرار الحزبي.
إقرأ أيضا: يوسف ورداني يكتب: نحو ميثاق لحوكمة العمل الحزبي في مصر




















