في مثل هذه الأيام من كل عام نحتفل بذكرى نصر أكتوبر المجيد، هذا اليوم الخالد أثبتت فيه قواتنا المسلحة الباسلة أنها خير أجناد الأرض كما وصفها الحبيب المصطفى محمد صل الله عليه وسلم، فقد ضربت فيه – القوات المسلحة المصرية – خير الأمثلة في الوطنية والوفاء والفداء والإخلاص والتضحية.
وفي الذكرى ال 53 للعبور العظيم لا بد من توضيح نقطة مهمة، كي يعلم الجميع مدى الفداء والتضحية، وقوة وشجاعة وبسالة القوات المسلحة المصرية، هذه المعلومات عن خط برليف «الفاجعة والبعبع الذي إستخدمته إسرائيل لكي ترعب به الجيش المصري»، والساتر الترابي، وما هو الفرق بينهما؟.
حيث يخلط البعض، وخاصةً الشباب بين خط بارليف، ومايسمى بالساتر الترابي. فالساتر الترابي الذي تمت ازالته بمضخات المياه لم يكن إلا ستار لمنع رؤية ماخلفه من تحصينات خط بارليف.
خلف الساتر كان يرقد الموت فاردًا جناحيه بخط بارليف، وهو عبارة عن 22 موقعًا دفاعيًا، و 36 نقطة حصينة، وقد بلغت تكاليفه – خط بارليف – خمسة مليارات من الدولارات، وتم تحصين مبانيها بالأسمنت المسلح والكتل الخرسانية وقضبان السكك الحديدية للوقاية ضد كل أعمال القصف.
كما كانت كل نقطة في خط بارليف تضم عددًا من دشم الرشاشات، وعدد من ملاجئ الأفراد، بالإضافة إلى مجموعة من الدشم الخاصة بالأسلحة المضادة للدبابات ومرابض للدبابات والهاونات (جمع كلمة هاون) وعدد كبير من نطاقات الأسلاك الشائكة، ومناطق الألغام، وكل نقطة حصينة عبارة عن منشأة هندسية معقدة وتتكون من عدة طوابق وتغوص في باطن الأرض.
والسبب في القول بأن خط بارليف أقوى خط دفاعي في التاريخ، أن هذا الخط قد استفاد من كل الأخطاء التي وقع فيها الألمان والفرنسيين في تنظيم خطوطهم الدفاعية السابقة، فخط بارليف لا يمكن تطويق اجنابه لوقوعها موانع طبيعية مثل خليج السويس في الجنوب والبحر المتوسط من الشمال.
والأهم من هذا كله أن خط بارليف كان يقع بعد سلسلة من الموانع التي تعد الأصعب في العالم، منها: قناة السويس ذلك المانع المائي متعدد اتجهات التيار وسرعتها المختلفة التي تعيق أعمال العبور، والتي اعتبرها خبراء العسكرية في العالم أقوى مانع مائي في العالم، وخلف تلك القناة يقع ساتر ترابي ملغم بالغام أفراد وشراك خداعية، وبزاوية ميل كبيرة جدًا تمنع عبوره بالعربات والمدرعات، وخلف الساتر الترابي تربض حصون خط بارليف وسط نطاقات مختلفة من الأسلاك الشائكة والألغام، ومع ذلك كان لأبناء النيل رأي أخر أذهل العالم ولازال! وتهاوى خط الموت واندك تحت أقدام الجيش المصري العظيم.
فقد انتفضت إرادة القوات المسلحة المصرية، رغم ما ذكرت أنفًا من صعاب وأهوال بل ومع وجود كل هذه التحصينات وخطوط الدفاع والموانع المستحيلة التي وضعتها إسرائيل أمامها، لتؤكد للعالم أجمع أن الجيش المصري العظيم لا يفرط في أرضه، وأن القوات المسلحة المصرية، تملك دائمًا القدرة، على تحويل الهزيمة إلى نصر وعبور، نحو مستقبل أكثر إشراقًا للوطن.
إن رجال قواتنا المسلحة الباسلة، لبوا نداء الوطن، في واحدة من أدق وأخطر لحظات تاريخه، وحملوا على عاتقهم مسئولية استرجاع الأرض المغتصبة واستعادة كرامة الوطن، وأثبتوا رغم كل الصعاب والتحديات التي واجهتهم أنهم على قدر الأمانة والمسئولية، وأكدوا أنهم الحصن المنيع لهذا الوطن الغالي، والركيزة الراسخة لأمنه واستقراره.
لقد كان نصر أكتوبر العظيم، ثمرة سنوات من العمل الدؤوب والإعداد المتقن، وكان وراء ذلك كله إيمان راسخ؛ بأن النصر حليف لمن يأخذ بأسباب القوة، ويؤدي واجبه بإخلاص وتجرد وتفان، وبهذا الإيمان انتصرنا في أكتوبر عام ١٩٧٣، وهزمنا عدونا، وضحت قواتنا المسلحة بأرواح شهدائها الأبرار ودمائهم الذكية، ليؤكدوا أنهم سيف هذا الوطن ودرعه المنيع.
هذا النصر المبين، على العدو المشين، سُجل في صفحات التاريخ المضيئة، فقد سطرت القوات المسلحة المصرية صفحة ناصعة، في سجل المجد الوطني، لنستلهم منه اليوم الدروس والعبر، ونستحضر في ذكراه معاني الإرادة والعمل، والإيمان بالقدرة على الإنجاز وصناعة المستقبل.
انتصار أكتوبر 1973 يبقى دائمًا مثارًا للفخر بقادته وضباطه وجنوده الذين حملوا جميعًا أرواحهم على أكفهم ونذروا أنفسهم فداء للوطن وبذلوا دماءهم الزكية لتروي عطش الأرض لأصحابها وتطهر الرمال من دنس اليهود الصهاينة، وترسل رسالة سعادة للأحياء وطبطبة لأرواح الشهداء ممن عاشوا مصيبة النكسة ولم يمهلهم العمر كي ينعموا بسيمفونية النصر.. حفظ الله مصر أرضًا وشعبًا وجيشًا وقيادة.





















