مشاركة مني في الملف المهم ده، ملف التعافي حق من حقوق الانسان، حبيت أدلي بدلوي بنبذة تاريخية عن المخدرات والإدمان تاريخيا في مصر تحديدا، ونبدأ بمصر القديمة، وربما اتبعه مقالات أخرى تتبع تلك الظاهرة الإنسانية المرضية عبر العصور في مصر.
الإدمان بقى مصطلح علمي له شروط علشان يطلق على أي حالة، بالتالي ما نقدرش نوصف بيه حالات من مصر القديمة، أو العالم القديم عموما.
مصر كان فيها استخدام لمواد مخدرة مؤثرة على العقل والنفسية في إطار ديني أو طبي أو ترفيهي، والمصريين اتكلموا عن إساءة وإفراط في استخدام تلك المواد وأثار سيئة وتوابع لذلك، لكن ما اتكلموش عن إدمانها، إلا ربما بردية أنستاسي اللي وصفت حالة مشابهة للالكهوليزم أو إدمان الخمور، وعموما كان هذا الأمر موجود في مختلف الحضارات وليس قاصرا على مصر فقط، إلا أن المصريين ربما أول من وثقوا تلك الأمور.
ده كلام ربما ها تسمعوه لأول مرة أو بعضكم على الأقل، هي كان قدماء المصريين بيعملوا دماغ؟ والإجابة هي آه، وده اللي ها نحاول نوثقه في المقال ده اللي مليان مفاجآت، لأن المصريين باستكشافهم للطبيعة وموادها قدروا بالتجربة يستخلصوا مواد لها تأثيرات على العقل والجسم واستخدموها في الطقوس والعلاج.
كان فيه نبات في مصر القديمة أصبح نادر الوجود الان بسبب تغير الطبيعة ومجرى النهر والسد العالي وتلوث المياه، وهو اللوتس الأزرق اللي كان نبات مقدس لعلاقته بأسطورة الخلق الأولى، وكان له تأثير مهدئ يصل أحيانا إلى النشوة.
اقرأ أيضًا: وائل عباس يكتب: هل تعاون الفاطميون مع الصليبيين؟
وكان ينقع أو يخلط مع النبيذ أو يجفف ويستخدم كبخور، واستخدم في المعابد في حالات التأمل والوعي المرتفع، كما استخدم بسبب المواد الفعالة فيه مثل الإبومورفين والنوسيفيرين لعلاج القلق وتحسين النوم. فمواده الفعالة تشبه في تأثيرها النفسي تأثير المواد الأفيونية، كما استخدم كمنشط جنسي.

بردية إيبرس بتتكلم عن الأفيون المستخرج من الخشخاش، المستورد يمكن من الشام او قبرص، وتتحدث البردية عن خصائص مخدرة وتقلل من الإحساس بالألم، أي كمسكن لاحتوائه على المورفين، واستخدم أيضا في الطقوس الدينية للتواصل مع الالهة وتحقيق النشوة الروحية، واستخدم في علاج اضطرابات الجهاز الهضمي والسعال، عثر على بذور خشخاش ربما زرعت في مصر او استوردت في بعض المقابر في وادي الملوك ودير المدينة وتل العمارنة إلى جانب أوان فخارية تحتوي مادة الافيون، وكان الأفيون قاصرا على الكهنة والأطباء فقط، وكان يتم تناوله بالشرب مع العسل أو البيرة أو الماء، أو تطحن البذور مع الطعام، لم توجد أدلة على حرق الأفيون كبخور، ولم يكن للمصريين القدماء أدوات للتدخين كالنرجيلة والبايب، لكنه استخدم أيضا بشكل موضعي كمراهم علاجية للجروح والالتهابات وتخفيف الألم، وكان يسمى نبات الشفاء.

نبات آخر لقينا له رسومات جدارية ووصف في النصوص هو نبات المندراك، وجذوره تشبه الإنسان، ولهذا كانت حوله هالة من الخرافات. يحتوي على مادة الأتروبين، واستخدم كمخدّر ومُهدِّئ ومسكن أثناء العمليات الجراحية.

ورد وصفه في بردية إيبرس أيضًا وبردية هيرست، كما استخدم في السحر من أجل الحب والخصوبة والزواج والحماية من الأرواح الشريرة.

كانت مصر من أوّل الدول التي صنعت البيرة، وكانت تُدفع كأجر للعمّال. كما استوردت النبيذ من فلسطين منذ ما قبل الأسرات، حيث عُثر على قناني له في مقبرة الملك العقرب في أبيدوس. البيرة (حنقت) كانت يشربها كل الطبقات، أمّا النبيذ فكان مخصصًا للطبقات العليا.
الكحول، بجانب استخداماته الدينية، استُخدم في الاحتفال والترفيه، خصوصًا في احتفالات حتحور لأنها إلهة الفرح والموسيقى، حيث كانت الخمور تُقدَّم كقرابين لها. وتظهر أعراض السُّكر والقيء في رسومات واضحة، مع تحذيرات صريحة من الإفراط فيه وعواقب السُّكر.

تحدّث كثير من العلماء الغربيين عن وقوع حالات إدمان للوتس الأزرق والكحول في مصر القديمة، لكنهم لم يستطيعوا البرهنة عليها بشكل مؤكد، وقالوا إنها ربما كانت حالات فردية وليست ظواهر اجتماعية. ومن هؤلاء مايكل كارمايكل عالم النبات، وآلان لويد عالم المصريات، وسوزان ديويت عالمة الصيدلة، وقد أجروا تجارب معاصرة لإثبات إمكانية إدمان اللوتس الأزرق.

أما عن إدمان الكحول والإفراط فيه، فقد وُجدت نقوش في مقبرة با خت في طيبة تُظهر امرأة تتقيأ في وليمة من فرط استهلاكها للكحول، وفي مقبرة ناخت تظهر رسومات لمجموعة من السكارى فاقدي التوازن، كما يظهر نقش في بني حسن لاثنين من السكارى يحملهم الأصدقاء إلى بيوتهم بعد أن فقدوا الوعي.


ولم يكتفِ المصريون بتوثيق الجانب السلبي لشرب الكحول، بل كتبوا أيضًا نصائح للشباب لتجنب ذلك، مثل ما ورد في بردية تعليمات آني وبردية تورينو الساخرة التي تُظهر مشاهد السُّكر والعربدة وممارسة الجنس، وكذلك بردية وستكار التي تذكر قصة شخص قام بأفعال غير لائقة بسبب السُّكر.
عام 1992 أعلنت عالمة السموم الألمانية سفيتلانا بالابانوفا أنها وجدت آثار للكوكايين والنيكوتين والحشيش في بعض المومياوات في متحف برلين، خصوصا مومياء الكاهنة حنوت طاوي.
اقرأ أيضًا:وائل عباس لـ«الحرية» تعليقًا على انقطاع الشبكة: «مالناش حظ لا في وزير مواصلات ولا وزير اتصالات»
وأثارت هذه المزاعم الكثير من الجدل لأن الكوكايين يأتي من نبات الكوكا والنيكوتين من نبات التبغ، والاثنين مصدرهما أمريكا التي لم تكن مكتشفة وقت الفراعنة، ما دفع بعض العلماء للتكهن بوجود تجارة قديمة عبر المحيطات بين مصر وأمريكا مثل الدكتور ألكسندر سوماخ والبروفيسور مارتن برنال، رغم عدم وجود أي أدلة أثرية أو سجلات تؤكد هذا الأمر.

ما أميل أنا أكثر لتصديقه هو حدوث تلوث في عصور حديثة لتلك المومياوات أثناء الاكتشاف أو النقل أو الحفظ بتلك المواد الحديثة، وهو رأي يجمع عليه معظم العلماء، وعندما أعيدت الاختبارات مرة أخرى لم يوجد أثر للكوكايين ولكن وجد أثر للنيكوتين الذي ربما يكون مصدره نباتات أخرى غير التبغ وكانت موجودة في مصر مثل الكرفس (أيوة الكرفس يحتوي النيكوتين) والأشواجاندا أو العبعب المنوم، خصوصا ان ميشيل ليسكوت من متحف الأنسان في باريس وجد أثار للنيكوتين في معدة رمسيس الثاني عام 1976.
كما لاحظنا مما سبق نجد أن النباتات المخدرة كانت تخضع لرقابة صارمة وتستخدم فقط من قبل الكهنة والأطباء، مما لا يسمح بحدوث إدمان، وكانت تعاليم بتاح حتب تحذر من الإفراط في الشرب لأنه يهدر الكرامة، كما تصف بردية أدوين سميث كيفية التعافي من السكر وكيفية سلوك مسلك قويم في شرب الكحول، لم تكن كلمة ادمان موجودة في اللغة المصرية القديمة، لكن كانت كلمة التوازن والماعت حاضرة في كل شيء بقوة، تأمر بالاعتدال في كل شيء، وعدم الاعتدال كان دائما سلوك مرفوض ومغضوب عليه.
مراجع:
- Nunn, J. F. (1996). Ancient Egyptian Medicine. University of Oklahoma Press.
- Harer, W. B. (1985). “Pharmacological and Biological Properties of the Egyptian Lotus.” Journal of the American Research Center in Egypt, 22, 49-54.
- Manniche, L. (1989). An Ancient Egyptian Herbal. British Museum Press.
- بردية إيبرس (Ebers Papyrus)، ترجمة وتحليل: B. Ebbell (1937).
- Lichtheim, M. (1976). Ancient Egyptian Literature: Volume II. University of California Press.


















