الأخوة الكيمتاوية الشركاء في الوطن، ليس عيبًا أبدًا أن تكون لمصر حضارتان، وكلتاهما كبيرتان وفخمتان وضخمتان: الفرعونية والإسلامية، وقد أسهمتا إسهامات بالغة في خدمة البشرية.
أنا في غنى عن سرد إسهامات مصر القديمة، وكذلك في غنى عن سرد إسهامات العرب والمسلمين، لستُ من الأكثر تدينًا، لكنني بالتأكيد فخور بخلفيتي الحضارية الإسلامية، والهجوم على كل ما هو عربي وكل ما هو إسلامي غير منصف.
جاء العرب إلى مصر بغرض الغزو بالتأكيد، وأخذ العرب الكثير من خيرات مصر بالتأكيد، لكن اتهام من يعتز بالإرث العربي والإسلامي بالدونية واحتضان الاحتلال قصر نظر، بل إنني رأيت من كتب يطالب بإزالة الآثار الإسلامية، ويعتبرها دخيلة على مصر.
لم يقتصر دور المصريين في عصور الإسلام المختلفة على أن يكونوا مجرد رعايا ومحكومين من غرباء، يدفعون الجزية والخراج والضرائب المختلفة فقط، بل كانت لهم إسهامات ضخمة تقلب الموازين، وتجعلنا كمصريين من المساهمين في بناء تلك الحضارة، أو مدانين بهذا ومعترفين.
في هذا المقال سأتكلم عن التأثير المصري في الحضارة العربية والإسلامية، فيكفي بداية أن أقول إن المشاعر المقدسة مكة والمدينة لطالما كانت تحت حكم حكام مصر (حتى لو لم يكونوا مصريين) في مختلف العصور؛ أي إنها كانت تُحكم من القاهرة، بدءًا من الدولة الطولونية، مرورًا بالإخشيدية والفاطمية، ثم الأيوبيين، ثم المماليك، وحتى عصر محمد علي، أي أكثر من ألف عام، وأكثر من ثلثي عمر الحضارة الإسلامية، كانت مصر هي التي تحكم مكة والمدينة، وتنظم الحج، وتعمر المساجد وتجددها، بل وترسل كسوتها أو المحمل الشهير.
وكان من ألقاب سلاطين مصر «خادم الحرمين الشريفين»، وكان صلاح الدين أول من تلقب بهذا اللقب.
بل عندما سقطت بغداد كانت مصر هي التي حافظت على الخلافة، ومقابر الخلفاء العباسيين خلف السيدة نفيسة شاهد على هذا.
أخذت الحضارة الإسلامية من مصر المحاريب المجوفة من كنائس الأقباط، حيث تُسمى الحنية والشرقية، وقيل إن أول المآذن بُنيت على طراز فنار الإسكندرية، بنى العمال والمهندسون الأقباط المسجد الأقصى والجامع الأموي في دمشق، بل والجامع النبوي في المدينة، وهذه المعلومات من برديات عُثر عليها في سوهاج حديثًا وقد لا تجدونها في المراجع.
كما أن الطراز الفاطمي والطراز المملوكي في البناء خرج من مصر، وعمال مصر هم بناة سفن معركة ذات الصواري، فخر انتصارات البحرية الإسلامية.
برع المصريون في العصر الإسلامي العربي في كل العلوم، وكانوا من كبار المساهمين في العلوم الإسلامية. محمد بن عيسى الدميري كتب «حياة الحيوان الكبرى»، وهو من الدميرة في الدقهلية، إلى جانب كتبه في الدين.
ولم يكن ابن النفيس ليبرع في علمه إلا بعمله في مصر في عهد قلاوون، وشجاع بن أسلم مهندس مصري عدّل اكتشافات الخوارزمي، وهو معروف في الكتب اللاتينية باسم «أوكوامل»، وهو أول من حل معادلات أسية حتى الأس الثامن ومعادلات بثلاث مجاهيل، ويُعتبر عالم الرياضيات الإيطالي ليوناردو فيبوناتشي تلميذ كتاباته، والذي أدخل الجبر إلى أوروبا بسببه.
وأخيرًا وليس آخرًا، عالم الفلك ابن يونس المصري، مخترع بندول الساعة قبل جاليليو في العصر الفاطمي، وأنشأ الفاطميون له مرصدًا في المقطم، ولا تخلو كتب الفلك الأوروبية من اسمه، وسُمّيت باسمه إحدى مناطق القمر.
أعتقد أن قليلًا جدًا منكم من سمع أسماء العلماء هؤلاء، ولا أعرف لماذا لا تفخر مصر بهم كأبنائها، ولا تُسمى على أسمائهم شوارع ومدارس، ولا يُدرسون في المناهج.
أما في التاريخ فحدث ولا حرج، فكل القائمة التالية هم مؤرخون مصريون: ابن الحكم، وابن الداية، وابن زولاق، وابن أبي أصيبعة، وابن الراهب القبطي، وابن واصل، والقفطي، وابن خلكان، وابن شداد، والذهبي، والمقريزي، والعيني، وابن تغري بردي، وأبو الفدا، والسخاوي (من سخا في كفر الشيخ)، وابن إياس.
الأزهر، الذي أُنشئ في مصر، واحد من أقدم جامعات العالم كله، وأنجبت مصر أيضًا الشعراء: البوصيري، وابن الفارض، وذو النون، كما احتضنت مصر أيضًا آل البيت وفضّلوا الدفن بها، مثل السيدة نفيسة، واحتضنت الليث بن سعد والشافعي، فكانت مهد المذهب الشافعي، بل كانت مصر أيضًا مهدًا لعدة طوائف أخرى كالنزارية والدروز. وعندنا أيضًا عبد الله بن وهب، عالم الحديث وصاحب كتاب «الجامع في الحديث»، وهو مصري.
وهذه بعض الأمثلة فقط، لأن هذا مجرد مقال وليس عملًا موسوعيًا، أربعة عشر قرنًا من التعايش أذابت الفواصل بين ما هو مصري وما هو إسلامي عربي، فكيف يُراد الآن تمزيق أواصر هذه العلاقة التاريخية، واختراع سلفية مصرية تشبه السلفية الإسلامية ولا تختلف عنها في التعصب والتشدد والعنف الفكري، بل والعنصرية أيضًا.






















صح جدا مقال حلو كالعادة