بعيدا عن القصة الدينية المعروفة للمؤمنين والمتدينين سواء المسلمين أو المسيحيين، طبعا اليهود ليهم وجهة نظر تانية خالص، لكن خلينا نتكلم كمؤرخين بنستخدم منهج علمي وهو المنهج التاريخي، ونشوف اللي كتبه المؤرخين المعاصرين لمرحلة ظهور المسيح ونشوف كتبوا يه، والحقيقة وانا باعمل ده اكتشفت حاجة غريبة جدا بتطرح اسئلة تاريخية، هل كان المسيح مصريا؟ فرضية بعيدة شوية بس ها نشتغل عليها في المقال ده من باب البحث التاريخي ولإثارة أسئلة تاريخية مهمة.
فلافيوس جوزيفوس مؤرخ يهودي من القرن الأول الميلادي، وكان بيشتغل عند الرومان، عنده كتابين مهمين جدا وهما بيلام يودايكوم Bellum Judaicumأو الحرب اليهودية، وتاريخ اليهود القديم Antiquitates Judaicae أنتيكويتاتيس يودايكاي،

الكتابين دول اتكلموا على الاقل عن 12 شخصية ادعوا انهم المسيح اللي منتظره اليهود، لكن جوزيفوس لم يكن مقتنعا بتلك الشخصيات، او هذا ما تمليه عليه وظيفته أو ايثاره للسلامة وولاؤه للرومان اللي اكل عيشه منهم، فكان بيصفهم بانهم مدعين goetes او مخادعين lestai.

وقت ظهور المسيح ووقت حياة جوزيفوس فلسطين كانت تحت الاحتلال الروماني القاسي، ضرايب تقيلة وظلم وتوتر، لكن الكتب الدينية كانت بتتكلم عن أمل في الخلاص، وظهور مخلص ينهي الظلم ويعمل مملكة عادلة، أرض خصبة فعلا لظهور متنبئين او مدعين او مسيح بجد يؤمن بيه الناس، ويوسف بن ماتاتياهو او جوزيفوس اتولد سنة 37 ميلادي، يعني بعد قصة المسيح حسب الكتب الدينية، لكن في حياته هو شخصيا ظهرت شخصيات ادعت برضه انها المسيح، وهو أرخ لهم وأرخ كمان اللي جم قبل ما هو يتولد.

جوزيفوس مكانش المؤرخ الوحيد في تلك الفترة، عندنا تاسيتوس وسويتونيوس وبليني الصغير وكاسيوس ديو، وكلهم اتكلموا عن قلاقل وسط اليهود تحت الاحتلال الروماني بل وثورات، تاسيتوس في اتنين من كتبه اتكلم عن تدمير اورشليم واضطهاد نيرون لليهود وذكر ان فيه واحد اسمه كريستوس اعدمه بيلاطس.

سويتونيوس في كتابه (حياة القياصرة) في القسم الخاص بكلاوديوس اتكلم عن اضطرابات في روما نفسها بيشعلها شخص اسمه كريستوس برضه لكن المرة دي مش في فلسطين. بليني الصغير في سنة 112 ميلادي كتب في كتاب (خطابات الى تراجان) مناقشان حول كيفية التعامل مع تمردات المسيحيين، والفيلسوف فيلو السكندري كتب عن المرحلة المضطربة دي لكن بدون أسماء.
لكن اللي ملفت ومهم عند جوزيفوس هو انه ذكر اسماء الشخصيات اللي ادعوا انهم المسيح وحددهم بدقة، بل ذكر المسيح وذكر يعقوب البار اخو المسيح الغير شقيق وذكر اعدامه على يد الكاهن انانوس τὸν ἀδελφὸν Ἰησοῦ τοῦ λεγομένου Χριστοῦ، ودي اشارة اجمع العلماء على سلامتها لان كتابات جوزيفوس لعب فيها المسيحيين بعد ذلك وحرفوها واضافوا اليها ليثبتوا صحة رسالتهم فيما عرف فيما بعد بالشهادة الفلافية Testimonium Falvianum.

جوزيفوس ذكر ظهور حزقيا سنة 45 ق م وابنه يهوذا بن حزقيا، اترونجيس الراعي 4م، سمعان من بيريا 4م، يهوذا الجليلي 6م مؤسس الزيلوت او الغيوريين والسيكاري او ثوار اليهود المسلحين، مناحيم ابن يهوذا الجليلي 66م، جيمس وشمعون ابناء يهوذا الجليلي اللي اتصلبوا سنة 46م، اليعازر ابن دينيوس، وذكر أنبياء العلامات اللي كانوا شخصيات كاريزمية بتجمع اتباع وبتوعدهم بحدوث معجزات زي شق البحر او سقوط اسوار مدينة، ودول منهم ثيوداس اللي ظهر سنة 44م وقال انه ها يشق نهر الاردن زي موسى ما عمل في البحر، لكن ده الرومان مسكوه وقطعوا راسه.

ذكر جوزيفوس كمان ان في عهد الوالي انطونيوس فيلكس 52م ظهر واحد اسمه المصريὁ Αἰγύπτιος، جمع حوالي 30 الف من الاتباع، وراح بيهم جبل الزيتون ووعدهم ان اسوار اورشليم ها تقع قدامه زي اسوار اريحا ما وقعت قدام يشوع في التناخ، لكن الرومان هاجموهم وبهدلوهم وقتلوا منهم كتير، اما المصري نفسه فده اختفى تماما ولم يقبض عليه.
جوزيفوس سماه النبي المصري او النبي الكذاب المصري، وروى قصته مرتين في الكتابين بتوعه اللي ذكرناهم للتدليل على اهميته، وقال ان الراجل ده قال لاتباعه انه ها يهزم الرومان ويدخل اورشليم ويبقى ملك عليها، وها يحرر الناس وينشر العدل، لكن جوزيفوس اتهمه بانه كان عاوز يبقى حاكم مستبد وانه ها يخل بالنظام وينشر الفوضى، هاحاول اترجم لكم النص الى العربية من الكتابين.
اقرأ أيضًا: وائل عباس يكتب: مونولوج شم الكوكايين خلاني مسكين.. المخدرات والإدمان في مصر تحت الاحتلال الإنجليزي
من كتاب “حرب اليهود” (Bellum Judaicum) 2.261-263″وفي تلك الأيام أيضاً، ظهر كثيرون من المحتالين والمخادعين، كل منهم يخدع الشعب بطريقته الخاصة. وتحت إدارة فيلكس، ازداد هؤلاء الدجالون وملأوا البلاد بالاضطرابات. فجاء رجل مصري ادعى النبوة، وجمع حوالي ثلاثين ألفاً من المغرَّر بهم، وقادهم من البرية إلى الجبل المسمى جبل الزيتون، الذي يبعد عن أورشليم نحو خمسة فراسخ. وكان يريد من هناك أن يقتحم أورشليم بالقوة، ويهزم الحامية الرومانية، ويحكم الشعب هو وحراسه حكماً استبدادياً. فلما علم فيلكس بذلك، خرج لملاقاتهم بالجنود الرومان الثقيلة التسليح، وانضم إليه جميع الشعب للدفاع. ودارت معركة قُتل فيها أربعمائة من أتباع المصري، وأُسر مئتان آخرون، أما المصري نفسه ففرَّ من المعركة واختفى.”
من كتاب “آثار اليهود” (Antiquitates Judaicae) 20.169-172″وزادت الشرور في اليهودية في أيام فيلكس، إذ كان الدجالون واللصوص يجمعون عصابات ويحرضون كثيرين على الثورة والانفصال عن الرومان. فمن بين هؤلاء جاء نبي كذاب مصري إلى البلاد، وادعى النبوة، واستمال إليه نحو ثلاثين ألفاً من العامة، وقادهم في طريق التفافي من البرية إلى جبل الزيتون. وكان يقول إنه من هناك سيأمر أسوار أورشليم فتسقط بأمره، فيسهل عليه وعلى أتباعه دخول المدينة، والسيطرة على الحامية الرومانية والشعب معاً. فلما سمع فيلكس بهذا الأمر، أمر جنوده بحمل السلاح، وخرج من أورشليم بفرسان ومشاة ثقيلة، فهاجم المصري وأتباعه، فقتل أربعمائة منهم، وأسر مئتين، أما المصري فهرب من المعركة وغاب عن الأنظار.ولم تنتهِ الفتن بهذه الهزيمة، بل استمر اللصوص والمحرضون في إثارة كثيرين على التمرد ضد الرومان.”
اقرأ أيضًا: وائل عباس يكتب: رمسيس الثالث.. قضى على شعوب البحر لتقضي عليه الحريم
المفسرين للنصوص دي قالوا انه جوزيفوس سماه المصري ربما لعدد من الاسباب، اولهم انه ربما كان من مصر فعلا، او علشان كان بيقلد موسى، او لان اليهود دايما بيربطوا المعجزات بمصر، وعلى فكرة انا سبق وشرحت ان موسى اسم مصري في حلقات اسرائيل بره المنهج وفي كتابي عن ممالك اسرائيل، والسبب هو الجذر مس الموجود في أحمس ورعمسيس وتعني ابن او ينجب.
الاغرب من كده اننا ها نلاقي ان هذا المصري مذكور في الانجيل، العهد الجديد، سفر اعمال الرسل أع 21:38، ها نلاقي مكتوب: “أَفَلَسْتَ أَنْتَ الْمِصْرِيَّ الَّذِي صَنَعَ قَبْلَ هذِهِ الأَيَّامِ فِتْنَةً، وَأَخْرَجَ إِلَى الْبَرِّيَّةِ أَرْبَعَةَ الآلاَفِ الرَّجُلِ مِنَ الْقَتَلَةِ؟”، وده جزء من حوار بين القائد الروماني وبولس كتبه لوقا وهو كاتب هذا السفر، ومن المعروف ان لوقا كان عايش في الفترة دي وربما عاصر الاحداث او وصلته كمعلومة شفهيا، وها نلاحظ فرق في عدد الاتباع من 30 الف حسب جوزيفوس الى 4000 فقط حسب الانجيل.

قناعتي الشخصية دائما هي ان المسيحية ديانة ثورة، هي في صف الشعب وفي صف المظلوم والمقموع، لكن نالها التحريف على يد الامبراطور قسطنطين الاول الذي كان يهدف تحويلها الى ديانة تصلح للملك ولادارة الامبراطوريات بسلطة الهية تسهل عليه التحكم في الشعوب باسم الاله، لكن ده موضوع تاني ربما يحتاج مقال لوحده.
تتبقى هنا الأسئلة، هل كان هذا الرجل مصريا فعلا؟ هل ربما يكون المسيح مصريا؟ كيف لرجل من غير اليهود ان يجمع 30 الف من الاتباع؟ ماذا عن شعب الله المختار؟ هل ليس بالضرورة ان يكون المسيح المخلص من اليهود؟ هل رحلة العائلة المقدسة في مصر مثلا جعلت اليهود يعتبرون عيسى مصريا؟ وماذا لو كان مصريا؟ هل يتغير التاريخ؟ ويتغير كل ما نعرفه؟ ويتغير وجه الصراع الموجود حاليا؟ وانا هنا لا اقرر واقعا ولا افرض نظريتي ولا افترض صحتها حتى، لكن اضع الحقائق جنبا الى جنب واطرح الأسئلة التي ربما تقود الى اكتشافات مثيرة.






















