يوحنا ذهبي الفم ما كانش ماركسي، وما كانش يعرف كارل ماركس، وما طلبش إلغاء الملكية ولا ثورة طبقات بالمعنى الحديث. بس عاصمة الإمبراطورية الشرقية، في أواخر القرن الرابع، سمعت في عظاته صوتًا أخطر من الهرطقة: صوت أسقف بيبيع آنية الكنيسة عشان يطعّم الجعانين، ويوبّخ الأغنيا من على المنبر، ويقفل أبواب الكاتدرائية في وش الإمبراطورة لو خطفت حق أرملة.
عشان كده ناس كتير من نبلاء القسطنطينية شافوا إن فيه شخص خطير طلع على كرسي البطرَك. الراجل ده كان نحيف، معدته وكلاويه تعبوا من كتر ممارسات التقشف والرهبنة من بدري، لكن فمه كان أخطر سلاح في المدينة.
يتيم أنطاكية
اتولد يوحنا حوالي سنة 347 في أنطاكية، عاصمة سوريا الرومانية. أبوه سيكوندوس كان ضابط مهم في الجيش الروماني في الشرق، ومات والولد لسه رضيع، فالأم أنثوسا، وهي أرملة شابة من بيت غني وعمرها حوالي عشرين سنة، رفضت تتجوز تاني، وخلّت تربية ابنها شغلها كله، وصرفت من ثروتها على تعليمه عشان يبقى خطيب، مش مجرد وريث.

اتعلم البلاغة على إيد ليبانيوس، أشهر خطباء العصر الوثنيين وأستاذ البلاغة اليونانية في أنطاكية، الراجل اللي فضّل المدارس الكلاسيكية على الكنيسة.
اتقال إن ليبانيوس اتمنى يوحنا يخلفه على المدرسة «لولا إن المسيحيين سرقوه منه». الطريق قدامه كان مفتوح للمحاماة والمجد المدني. هو اختار طريق تاني: اتعمد وهو شاب، وبعدين طلع الجبل ناسك، يقف ساعات طويلة ويحفظ الكتاب وينام بالكاد، لحد ما جسده اتهدّ واضطر يرجع المدينة، اترسم شماس سنة 381، وبعدين كاهن سنة 386، وفضل يعظ في أنطاكية لحد ما لزق فيه اللقب اللي هيفضل معاه بعد كده: ذهبي الفم.

في أنطاكية ما كانش بيتكلم في الهوا. بعد فتنة تماثيل الإمبراطور ثيودوسيوس الأول، إمبراطور الشرق والغرب اللي وحّد الإمبراطورية تاني ومات سنة 395 بعد ما خلى المسيحية النيقية دين الدولة تقريبًا، وقف بين الشعب والسيف، وحوّل الرعب لتوبة، هنا اتشكّل منهجه كله: الأخلاق قبل الجدل اللاهوتي، والفقير هو مقياس صدق الكنيسة.
إزاي كاهن يتاخد غصب عشان يبقى بطرَك
في 27 سبتمبر 397 مات نكتاريوس، أسقف القسطنطينية السابق، كان راجل هادي من أصل مدني، اترسم بعد مجمع القسطنطينية، وما كانش من مدرسة الوعظ الحاد. الزحام والمؤامرات اتكدست على الكرسي. الخصي القوي أوتروبيوس، وده كان عبد سابق اتحول لوزير البلاط الفعلي تحت أركاديوس، ووصل لمنصب القنصل قبل ما يقع، رشّحه من غير علمه. الإمبراطور أركاديوس، ابن ثيودوسيوس، راجل ضعيف الإرادة بيميل للي حواليه، بعت عساكر لأنطاكية، فخطفوه سرًّا عشان أهل مدينته ما يثوروش ويمنعوش رحيله.

في 26 فبراير 398 اترسم رئيس أساقفة القسطنطينية. والإيد اللي باركته كانت إيد ثاوفيلس، بطريرك الإسكندرية، راعي كرسي مار مرقس الطموح، اللي كان عايز يمد نفوذ الإسكندرية على العاصمة، واللي كان عايز مرشّحه هو، واللي بعد شوية هيبقى ألدّ أعدائه.
يوحنا دخل عاصمة الشرق فما شافش كنيسة بس. شاف بلاط مترف، وإكليروس مدلّع، وفقرا نايمين على الأبواب. باع حلي الكنيسة وآنيتها الغالية، عمل مستشفيات وملاجئ، نظّف صفوف الكهنة من التسيّب، وقعد في دار الأسقفية كراهب مش كأمير. كان بياكل قليل، ويستقبل قليل، ويعظ كتير.

الأغنيا في الصفوف الأمامية حسّوا إن الكلام عليهم، كان بيقول إن الغنى الزيادة، لو ما اتصرَفش على الجعان، شهادة ضد صاحبه مش ليه، وإن وراثة المال ما تبررش الجوع اللي جنب البيت، لأنها بتنقل الظلم جيل ورا جيل، ومن هنا يتولد عنوان المقال، مش لأنه دعا للمشاعية، لكن لأن كرسي البطرَك بقى منبر محاسبة للطبقة اللي اتعودت تشتري الطمأنينة بالهبات والمواكب.
الإمبراطورة اللي ما ينفعش تتوبَّخ
في الأول أركاديوس ومراته أودوكسيا — ابنة القائد الفرنجي باوتو، إمبراطورة طموحة اتجوزت أركاديوس سنة 395 وبقت صاحبة الكلمة في البلاط بعد سقوط أوتروبيوس — مالوا للأسقف الجديد. بعدين الهوى اتغيّر.
أوتروبيوس الخصي وقع في صيف 399 بعد ما وصل قمة نفوذه، ومش بسبب خطبة واحدة ولا مؤامرة سحرية. وقع لأن الجيش والإمبراطورة والأرستقراطية اتجمعوا عليه في نفس اللحظة. لما أوتروبيوس وقع، هرب للكنيسة.

يوحنا حماه باسم حق اللجوء، وبعدين وعظ تاني يوم عن هشاشة المجد الأرضي قدام الراجل اللي امبارح كان بيحكم الشرق. أودوكسيا ما سامحتش بسهولة وساطة عن عدوها.
بعد كده الجراح اتكدست: دفاعه عن رهبان مصريين مطرودين وهم الإخوة الطوال، ودول كانوا أربعة نساك طوال القامة من نتريا، على رأسهم أمونيوس وديسقوروس، اتهموا بميل لأوريجانوس بعد ما كانوا مقرّبين من ثاوفيلس، دفاعه ده أغضب ثاوفيلس السكندري. وكمان توبيخه لبذخ النساء في اللبس والعربات الذهبية سمعت فيه أودوكسيا اسمها، حتى لو الاسم ما اتقالش.

وقصة كرم الأرملة — سواء حصلت بالحرف زي ما السير المتأخرة روَتها على نسق كرم نابوت اليزرعيلي اللي اتشال كرمه عشان الملك، أو كانت تكثيفًا لنزاعات أملاك حقيقية — بقت رمز الخصومة: أسقف واقف بين التاج والفقيرة.
بعدين اتنصب تمثال فضي لأودوكسيا في الأوجسطايون، جنب كاتدرائيته، في احتفال صاخب اختلط فيه الغنا بقداس الكنيسة، يوحنا خطب خطبة قاطعة، والناس حفظت الجملة اللي ما اتغفرتش: هيروديا رجعت ترقص وتطلب راس يوحنا على طبق، شبّه الإمبراطورة بالست اللي قتلت يوحنا المعمدان، وشبّه نفسه بالنبي. بعد الجملة دي القصر ما عادش فيه مكان لبطرَك.
مجمع السنديانة: محكمة من غير عدل
في خريف 403 اتجمع مجمع في ضيعة اسمها السنديانة قرب خلقيدونية، برّه أسوار المدينة لأن الشعب جوه كان مع يوحنا، ترأسه ثاوفيلس، وجاب معظم أساقفته من مصر، وانضم ليهم خصوم محليين زي سفريانوس، أسقف جبلة، واعظ سوري فصيح كان يوحنا ائتمنه فترة على الكرازة في العاصمة وبعدين قلب عليه.

اتوجهت ليوحنا عشرات التهم، بعضها تافه لحد الهزل: إنه بياكل لوحده، وإنه بياخد عسل بعد القداس، وإنه أهان الإمبراطورة، وإنه بيتدخل في أبراشيات غيره، وإنه مايل لأوريجانوس، رفض يحضر قدام محكمة خصومه قضاتها. اتعزل واتنفى.
لكن الشعب ثار لحد ما كاد يحرق القصر. وكمان بالصدفة وقع زلزال طبيعي ليلة اعتقاله، فأودوكسيا فسّرته بأنه غضب إلهي، فاتطلب من الطريق، ورجع المدينة ودخل دخول المنتصر الظافر، لكن الصلح ده ما كملش شهرين.

في شهر يونية 404 اتطرد للمرة الأخيرة. اتقفل عليه الأول، وبعدين اتنفى، الكنيسة ومبنى الشيوخ اتحرقوا في الفوضى اللي بعد رحيله، المدينة انقسمت بين «يوحناويين» وخصومهم.
خناجر في الشوارع وبعدين موت بالمشي
قبل النفي الأخير، المؤرخ سوزومينوس سجّل محاولتين قتل. في الأولى اتقبض على راجل مجنون أو متظاهر بالجنون، ماسك خنجر قاصد به الأسقف، الشعب سلّمه للوالي، فيوحنا بعت أساقفة ينشلوه من التعذيب قبل ما يستنطق. في التانية عبد تابع للكاهن إلبيديوس، واحد من الأعداء المحليين في صف الخصوم، جرى ناحية دار الأسقفية، اللي حاول يوقفه اتطعن. اتطعن تاني وتالت، وراجل طالع من الحمّام اتقتل. الناس حاصروه وخدوه القصر، بيقولوا إنه جاي يغتال البطرَك.
الخنجر ما نجحش.. الطريق نجح
اتبعت الأول لكوكوزا على حدود كيليكيا وأرمينيا، قرية حرّها وبردها قاسي، فضَل يكتب ويرعى من المنفى، فالبلاط خاف نفوذه حتى من هناك، صدر أمر ينقلوه لبيتيوس النائية على البحر الأسود، والعساكر اتأمروا يسرّعوا به ليل ونهار.

الجسد اللي النسك في الشباب أفسده ما استحملش السير الإجباري تحت الشمس والمطر. في 14 سبتمبر 407 وصلوا كومانا في البنطس، التقليد روى إنه شاف في الليلة اللي فاتت الشهيد باسيليسكوس، أسقف كومانا القديم، اللي استُشهد في اضطهاد مكسيمينوس دايا واتدفن هناك، وهو بيقول له: «شد حيلك يا أخويا، بكرة نتقابل».
الصبح طلب توب أبيض، تناول الأسرار، وقال كلمته الأخيرة: «المجد لله على كل حاجة»، وبعدين مات، كان سنه وصل لحوالين الستين، ودي كانت عاشرة سنوات أسقفيته.
لكن بعد تلاتين سنة، سنة 438، الإمبراطور ثيودوسيوس التاني، ابن أودوكسيا وأركاديوس، وكان إمبراطور متعلم اشتهر بتقواه وبمجموعة القوانين اللي باسمه، رجّع رفاته للقسطنطينية، واتدفن في كنيسة الرسل، المدينة اللي طردته مشيت ورا نعشه كأنها بتتوب.
إيه اللي فضل من «الشيوعي»؟
يوحنا ما لغاش الملكية وما عملش حزب يساري. كان ابن إنجيل بيقول إن الغني اللي يعدّي على الجعان وما يدّيش بيسرق اللي مش بتاعه من الأصل، لأن المال وديعة مش صنم، خطورة الراجل ما كانتش في نظرية اقتصادية، كانت إنه حط الوديعة دي فوق كرسي البطرَك في وش إمبراطورة بتحب الذهب وتمثالها الفضي، وفي وش أساقفة بيحبوا الكراسي أكتر من الفقرا، علشان كده اتعزل، عشان كده اتطعن في الشارع، عشان كده مشّوه لحد الموت، وعشان كده فمه، بعد ألف وستمية سنة، أذهب من ذهب اللي حاربوه.

بابوات روما ما سابوش كلام يوحنا ذهبي الفم على رف الشرق الأرثوذكسي، الكنيسة الكاثوليكية استخدمته للكنيسة الجامعة من أيام بيوس الخامس سنة 1568، وجعله بيوس العاشر، بابا الإصلاح الليتورجي في مطلع القرن العشرين، شفيع الواعظين، وعيده ثابت في التقويم الروماني.
بندكتس السادس عشر، اللاهوتي الألماني اللي جلس على الكرسي الرسولي من 2005 لـ2013، خصّه بمقابلتين عامتين سنة 2007، وكتب إن تعليمه لسه ينبوع حكمة للكنيسة بعد ستاشر قرن.
وفي نصوص بابوية أحدث بيتكرر قوله بحدّه: أتريد أن تكرم جسد المسيح؟ لا تُهنْه في أعضائه الفقراء؛ لا تُلبس المذبح حريرًا وتترك العريان في البرد، «الله لا يحتاج آنية ذهب، بل نفوسًا ذهبية»، روما كمان بتصلّي بقداسه في الكنائس الكاثوليكية ذات الطقس البيزنطي اللي في شركة مع الكرسي الرسولي، يعني الكرسي اللي في الغرب بياخد كلام الأسقف اللي اتنفى في الشرق، مش كأثر تاريخي، كصوت لسه بيحاكم ضمير الكنيسة.





















