بعض الكلام لا يمر على الأذن، بل يسكن في القلب، والشاعر الكبير جمال بخيت من هؤلاء الذين إذا نطقوا، استيقظ فيك شيء قديم كنت تظنه غاب، هو الذي يحمل في صدره صدى أرضٍ كاملة، فإذا تكلم نطق التراب من حنجرته. رجل أعطته الأرض حكاياتها، فوهبها عمره كله في هيئة كلمات، لا يكتب عن ترابها، بل يكتب به، ولا يغني لها، بل يغني بها، فالكلمة لا تصدق إلا إذا خرجت وعليها رائحة القلب الذي أنجبها.
يأخذ الجرح من الرصيف ويعيده نشيداً، ويأخذ النشيد من القلب ويجعله جرحاً نبيلاً يسكن كل من سمعه. أحبها وهي ظمأى فكان لها نبعاً، وأحبها وهي جريحة فكان لها دواءً، وأحبها وهي غافلة فكان لها ذاكرة، فالعاشق لا يوقظ حبيبه، بل يوقظ الزمن النائم في عينيه.
لم يبدل وجهته ولم يساوم على المعنى، ظل واقفاً على باب الكلمة يحرسها من النسيان ويضيئها للتائهين، لذلك حين يتكلم، لا تسمع شعرا.. تسمع وطناً كاملاً يتنفس، وتتذكر أن الكلمة حين تكون بنت ترابها، تصبح وطناً يمشي بين الناس، وأن الكلمة التي لا تلتحم بلحم شعبها، تظل غريبة ولو نُقشت بماء الذهب.
ولأن القلوب الكبيرة لا تكتفي بأن تحب في صمت، ولأن الجراح العميقة لا تُشفى بالكتمان، كان لا بد لهذا الوفاء كله أن يجد له صوتاً، وأن يصير نشيداً يوقظ الغافلين، فالمعنى حين يمتلئ، يفيض، ولا تنفجر الينابيع إلا إذا ضاقت بأسرارها، والقلب حين يضيق بالحمل، ينطق.
من هذا الفيض وُلدت “أنا كنت عيدك”، لم تكن أبياتًا من الشعر، كانت أبوابًا فُتحت على عمرٍ كامل من العطاء، قالها رجل رأى يده تزرع الفرح في أرضٍ أجدبت، ثم رأى ذات الأرض تنكر زرعه.
هي ليست شكوى، بل كشف حساب. ليست دمعة، بل سؤال معلق في رقبة الزمن: من يصنع العيد لمن نسوه؟ وهو السؤال الذي يولد مع كل جيل: أتحمل صخرتك إلى القمة، أم تتركها تتدحرج؟ فاقترب منها لا كمن يسمع لحناً، بل كمن يستمع إلى اعترافٍ أخير، كُتب بحبر القلب قبل أن يجف.
حين يقول جمال بخيت “أنا كنت عيدك”، فهو لا يطلب شهوداً. هو يوقظ ذاكرةً نائمة. يضع مرآةً أمام وجهٍ نسي ملامحه. العيد لا يولد من فراغ، هناك من ينسج خيوطه، من يشعل قناديله، من يكتب دعوته على جدار الزمن.
“تنقص نجوم السما أزيدك”، هذه ليست جملة، هذه مهمة. هناك من نذر عمره ليرقع سماءً مثقوبة، ليضع نجمةً كلما انطفأت نجمة، كمن يحمل الصخرة لا ليُعذَّب، بل ليبني بها سُلّماً إلى الله. وحين يغرق الفجر في مائه الأسود، تمتد يد واحدة فقط لا تخاف البلل: “الفجر يغرق آخد بايدك”، اليد التي لا تسأل من أغرق الفجر، بل تنشغل بإخراجه حياً، لأن الكلمة التي لا تشهد على زمنها، تصبح شاهد زور عليه.
لهذه اليد ثمن يُدفع من الجسد. “واجمع سواد الألم في عيني”. العين خزانة. تلم كل العتمة التي سقطت من الشرفات، كل الخيبات التي نبتت على الأرصفة، حتى لا تراها العيون الأخرى. فالألم الذي لا يجد له معنى، يصبح عقوبة. أما الألم الذي يُحمل لغيرك، يصبح صلاة.
وبالمقابل، “أصب نبض الهوى في وريدك”، القلب هنا ليس مضخة، بل نبع. يسقي عروقاً جفت، ويعيد دماً إلى جسدٍ شحب، هذه مقايضة الوجود: تأخذ ظلامي لتمنحني نورك، وتشرب وجعي لتسقيني حياة، فالحب الذي لا يُحرق صاحبه، لا يُضيء لأحد.
هذه المقايضة تفسر الألم القديم الذي صرخ به عنترة بن شداد حين قال:”يُنَادُونَنِي فِي السِّلْمِ يَا ابْنَ زَبِيبَةِ، وَعِنْدَ صِدَامِ الخَيْلِ يَا ابْنَ الأَطَايِبِ”، وهو نفسه السر الذي كشفه جمال بخيت في “أنا كنت عيدك” حين قال: “أنا كنت عبدك في عز ضعفك وكنت يوم التجلي سيدك”.
فالجرح واحد وإن اختلف السيف والقلم، عنترة ذاق الجحود إهانة، ففي زمن السلم يرمونه بأمّه الأمة “زبيبة” احتقاراً، فإذا داهمتهم خيل الأعادي تذكّروا أنه “ابن الأطايب”. قيمته عندهم مشروطة بالدم.
أما بخيت فذاق الجحود مقاماً، فحوّل الشتيمة إلى عبادة: جعل “العبد” شرف الخدمة لا عار النسب، لأن العبودية في الحب حرية. وجعل “السيد” مسؤولية النور لا نشوة القوة، لأن السيادة في العطاء خضوع. المسألة كلها مسألة توقيت.
لزمن الانكسار طقوسه، ولزمن الاكتمال طقوسه، لكن جمال ظل هو جمال في الحالين، اليد التي تسند في الضعف هي نفسها التي تصنع المجد في التجلي، فمن عرف “لماذا” يكتب، هان عليه “كيف” ينسونه.
فالذي يحملك وأنت ساقط في السلم هو نفسه الذي يرفعك وأنت واقف يوم صدام الخيل، لا يتبدل الشاعر، بل يتبدل دورك أنت. وفي هذا الدوران يعرف السيف أنه ما خُلق إلا ليحمي، ويعرف القلم أنه ما خُلق إلا ليضيء، فيصير الضعف طريقاً إلى العرش، والعرش عودة إلى خدمة الضعفاء.
ثم يأتي الامتحان الأصعب: “وإذا كفرتي بسحر صوتي هاغني رغم العطش نشيدك”، الكفر هنا ليس عقيدة. هو أن يصبح الصوت عورة، أن يصبح الغناء تهمة، والعطش ليس ماءً، هو أن تجف الحناجر وتبقى الأغاني واقفة على الباب، ورغم ذلك، يبقى النشيد.
لأن النشيد لا يُغنى للجدران الصماء، يُغنى للمعنى الذي يسكن خلف الجدران، فحتى لو أنكرت الأذن، لا تنكر الروح. وهذا هو الفرح المُتمرّد: أن تغني لا لأن العالم جميل، بل لأن الغناء هو ما يجعله محتملاً، أن تحمل صخرتك وتضحك، لأن الضحك هو ثورتك الوحيدة على العبث.
لهذا يصبح الصمت موتاً: “تموت آيات النغم في حلقي أنطق بسر الحياة أريدك”، حين تُقفل الأبواب على الحنجرة، يفتش صاحبها عن باب آخر في الروح. ينطق بسرٍ لا يُخنق: سر الحياة، “تكتب سنين الخرس نهايتي أنطق بسر الوجود أعيدك”.
الخرس قد يكون نهاية لقائله، لكنه لا يكون نهاية لقوله. الكلمة إذا ماتت في الحلق، وُلدت في مكان آخر، فإن سُد فم، تفتح ألف فم، لأن من ذاق أن في موته حياة، لا يخشى حبل المشنقة. لتُعيد ما غاب، وتُحيي ما مات. فالكلمة الصادقة قد تُدفن، لكنها تُنبت في القبور سنابل.
وفي النهاية يقف أمام الخيار الأخير: “وإذا نسيتي هاتكون نهايتي وإذا وافيتي هاكون شهيدك”. النسيان مقبرة بلا شاهد. والوفاء حياة ثانية تُمنح لمن وهب الأولى “وكل ما أرحل هتكوني غايتي وكل ما أرجع هاكون وليدك”.
الرحيل لا يلغي الوجهة، والعودة لا تحمل عتاباً، تحمل بداية جديدة. كأن لا شيء حدث، وكأن كل شيء حدث. فهو المولود من رحم الوفاء، والذاهب إليه أبداً. يحب حبين: حباً للوجه، وحباً للطريق إلى الوجه. فلا الوصول يُنسي السفر، ولا السفر يُنسي الوصول.
هذا الكلام حين مرّ على حنجرة علي الحجار، لم يتحول إلى أغنية. تحول إلى اعتراف. لم يكن يُطرب، كان يشهد. وجاء لحن فاروق الشرنوبي ليمشي على مهل خلف المعنى، لا أمامه.
لم يزاحم الكلمة، تركها تتقدم. فصار اللحن ظلاً للوجع، لا زينة له، صار جسراً تعبر عليه الكلمة إلى القلب، لا ستاراً يحجبها عن العين، لأن الفن الذي لا يوحد الناس على جرحٍ واحد، يفرقهم على زينة كاذبة.
“أنا كنت عيدك” ليست حكاية شاعر ووطن. هي حكاية يدٍ ظلت تملأ الفراغات حتى تشققت، حكاية صوت ظل يغني للضوء حتى وهو يعبر في العتمة، هي عن الذي يصنع العيد، ثم يقف على الباب، لا ينتظر هدية، ينتظر أن يتذكره أحد.
وهي عنا جميعاً، حين ننسى من أوقد لنا القنديل، لأننا انشغلنا بالضوء، وهي دعوة أخيرة: أن نكون نحن العيد الذي ننتظره، لا المتفرجين عليه، فجمال بخيت لم يكتب عن العيد.. كان هو العيد حين غاب العيد.





















