مسكين علي الحجار، موهبة مثيرة للإعجاب، والشفقة في آن واحد، حنجرة متمكنة، لكن شيطانه يسلط عليه نفسه، فتسحبه إلى دومات تستنزفه، وتضيع وقته، وتختصم من جماهيريته.
أزمته الكبرى وخطبه الجلل، أنه يعاني هلاوس المؤامرة، فالأنس والجن تحالفوا ضد موهبته، والعرب والأعاجم طعنوه في ظهره.
هيأت له الأقدار أن يتبناه بليغ حمدي، في بداياته، ليقدم له ألبومه الأول: “من بعد ما حبينا”، فحقق نجاحًا عظيمًا، ذلك أن الملحن المبدع، عمد إلى ترقيق صوته الذي يمكننا وصفه بالجبلي، والذي تطغى قوته على عذوبته.
كما هيأت له، أن يقف على خشبة المسرح، في ظرف استثنائي، فالساحة خالية من جيل العظماء، والذي انتهى برحيل عبدالحليم حافظ، ومن بعده صار “السميعة” يشتاقون إلى موهبة جديدة، فمحبو الفن يريدون الجديد، وهذا الجديد، ينبغي أن يحقق عنصر الدهشة، ما جدوى القصيدة والرواية والغناء والدراما ما لم تحدث الدهشة؟
وكان ظهوره سابقًا على معظم أبناء جيله، ممن يمثلون تيارًا موسيقيًا، لم يسعَ إلى “أمرّكة الموسيقى العربية”، وأخذ من الحداثة ما يناسب الذائقة الشرقية، فكان الطريق مفروشًا بالورود أمامهم، لكنهم أضاعوا البوصلة، واختلت مقادير المعادلة بين أياديهم، فضلّوا عن سواء السبيل.
هذا موضوع يطول شرحه، لكن تكفي المقارنة بين ما حققه محمد منير، وما حققه الحجار والحلو ومدحت صالح “الذي تأخر ظهوره عنهما”، للوقوف على حقيقة أن المطرب مشروع، وليس مجرد حنجرة.
الثلاثة في ذائقتي، هم أهم وأمتن وأعذب ثلاثة أصوات مصرية، خلال النصف قرن الماضية، والثلاثة في يقيني مقصرون في حق موهبتهم الأصيلة.
إن الموهبة لا تنمو بغير رعاية، إنها كالزهرة لا تتفتح، ما لم تحظ بالشمس والماء.
الحجار منذ ما يزيد عن ثلاثة عقود، لا يتكلم عن مشروعاته الفنية، بقدر ما يتكلم عن المتربصين به دوائر السوء، والخوف أن يطلع علينا يومًا، فيهاجم “العملاء والممولين والطابور الخامس”، ممن يريدون إسقاط الطرب المصري الذي يُختزل في تاريخه وعطائه وقامته السامقة الباسقة.
في أزمته مع مدحت صالح، صعب أن تستوعب ماذا يريد؟
لماذا استشاط غضبًا فأخذ “يدلق” التصريحات كما تُدلق القمامة من شرفة في زقاق عشوائي؟
هجوم فيه نبرة تطرف وعدوانية لا يمكن استساغتها، ضد زميله أو تلميذه، كما قال، متشبثًا بعلو قدره، على قدر مدحت صالح: “أنا أستاذه.. ما فيش مقارنة.. عدد أعمالي كذا”.
بغض النظر عن الجماهيرية، التي تميل فيما أظن، عبر ملاحظة ردود أفعال الجمهور.. تميل إلى صالح، هل يهاجم أستاذ تلميذا بهذه الضراوة؟
ألا يذكر الحجار أن بليغ حمدي، كان وافق بل وتكرم بتمويل حلمه تقديم رباعيات صلاح جاهين، من تلحين سيد مكاوي، ذلك رغم أن عقد الاحتكار بينهما، كان قائمًا، وكان بوسعه إحباط المشروع برمته.
هكذا تكون الأستاذية، والتي يتشبث الحجار بها، كما لو كانت مكانة مطهرة، لا يجوز الاقتراب من هيكلها، في سلوك ممعن في الفوقية، من دون اعتبارات أعمق للأستاذية، من حيث كونها مسؤولية أخلاقية، وقدرة على التسامح، وإشاعة الحب والاحترام.
أسباب الخلاف بين المطربين، ليست لب القضية، كلاهما فنان كبير، ونهوض أي منهما، أو كلاهما بمهمة إحياء التراث، سيكون ذا مردود وطني ثقافي عظيم، ذلك أن مد الجسور مع الماضي، هو نقطة الانطلاق نحو الغد.. لب القضية أن الحجار ومدحت ليسا متخاصمين، وكان سهلا على الأول أن يتصل بالثاني، فيبحثا معًا الأمر، على طريقة “أولاد الأصول” إذ يختلفون.
إن الأستاذية هي التي دفعت القيثارة، ليلى مراد، وهي في عز نجوميتها، إلى التنازل بمنتهى الإيثار عن أغنية: “تخونوه”، للمطرب الجديد عبدالحليم حافظ آنذاك، إذ اتصل بها فقال بصوته الفضي: “ست ليلى.. في الحقيقة مكسوف منك، لكن من عشمي، أنا سمعت أغنية مع بليغ حمدي، عملها لك ونفسي أغنيها.. حسيت نفسي فيها ومناسبة لفيلمي الثاني الوسادة الخالية”، فإذا بالأستاذة ترد: “طبعًا يا حليم، لايقة عليك، ستغنيها أحسن مني”.
إن الأستاذية أيضًا، هي التي حدت بالعبقري محمد فوزي، إلى إقناع أم كلثوم، بإسناد تلحين “أنساك” إلى تلميذه بليغ حمدي.
وترجع الحكاية إلى أن بليغًا كان زار محمد فوزي، فاستقبله في مكتبه، ثم خرج لشأن ما، بعض دقائق، ولما عاد وجد أن الملحن الناشئ، قد قرأ الكلمات، التي كانت في ورقة على مكتبه، فشرع يلحنها، فراق له اللحن، فاتصل من فوره بكوكب الشرق: “يا ست.. بليغ حمدي عندي، وبدأ بالصدفة يلحن أنساك، في الحقيقة عمل حاجة أحسن مما كان في دماغي”.. ووافقت الست، ومات فوزي من دون أن يضع لها لحنًا، على الإطلاق، ليحرم نفسه من هذا المجد المروم، انتصارًا لمبادئ الأستاذية.
تلك قيم زمان كان ومضى، ومتى يتمعن الفكر فيها، يكتشف حجم التراجع، في كل شيئ.





















