قالت الكاتبة الصحفية هبة عبد العزيز، مديرة وحدة المرأة وقضايا المجتمع بمركز الوحدة بالمركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية سابقا، إن التعامل مع الواقعة باعتبارها مجرد خلاف مالي أو جريمة قتل عابرة يختزل ظاهرة أكثر خطورة تستوجب التوقف والدراسة.
وأكدت عبد العزيز، خلال تصريحات خاصة لـ”الحرية” تعليقًا على جريمة قتل أسرة كاملة بمنطقة النرجس بالتجمع، أن قتل أربعة أشخاص، بينهم زوجة وبنتان، لا يمكن اختزاله ببساطة في خلاف على مبلغ مالي، مهما كانت قيمة المبلغ أو حجم النزاع بين أطراف الواقعة.
وأضافت: “إذا كانت قيمة الخلاف 100 ألف جنيه، فإن السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا يدفع إنسان حياته وحياة أربعة آخرين ثمنًا لمبلغ لن يحصل عليه القاتل في النهاية؟ ولماذا تمتد الجريمة إلى زوجة الشريك وبناته، إذا كان الهدف مجرد الحصول على المال؟”.
وشددت عبد العزيز على أن تحديد الدافع النهائي للجريمة والحكم على المسؤولية الجنائية يظل من اختصاص جهات التحقيق والقضاء، إلا أن الوقائع المتداولة تستوجب البحث في الأبعاد النفسية والاجتماعية للعنف الانتقامي، خصوصًا عندما يتحول خلاف بين شركاء إلى استهداف أسرة كاملة.
وقالت: “خلافات الشركاء ليست جديدة. بعد نجاح أي مشروع قد تبدأ الخلافات حول حجم المجهود، ونسب الأرباح، ومن يرى نفسه صاحب الفضل الأكبر. لكن المجتمعات الطبيعية تمتلك أدوات لحل هذه النزاعات: التفاوض، إنهاء الشراكة، القضاء والقانون. أما تحويل الخلاف إلى قتل، ثم استهداف الزوجة والبنات، فهو انتقال من النزاع إلى الانتقام، ومن الانتقام إلى استباحة كاملة للإنسان”.
وأشارت إلى أن بعض الأقوال المنسوبة إلى المتهم، والمتداولة بشأن شعوره بالفارق بين ظروفه المعيشية وظروف شريكه، تفتح بابًا مهمًا أمام دراسة ثقافة المقارنة الاجتماعية، وما يمكن أن تنتجه لدى بعض الأفراد من إحباط وغيرة وحقد، عندما يتحول نجاح الآخر من مجرد واقع اجتماعي إلى شعور بالتهديد أو الإهانة الشخصية.
وأكدت أن هذا الطرح لا يعني بأي حال من الأحوال تبرير الجريمة أو تحميل الفقر أو الظروف الاجتماعية مسؤولية ارتكابها.
وأضافت: “الفقر لا يصنع قاتلًا، والغنى لا يصنع ضحية، والظروف الصعبة لا تمنح أحدًا رخصة لقتل إنسان. المسؤولية الجنائية تظل كاملة أمام القانون. لكن دراسة الدوافع النفسية والاجتماعية لا تعني تبرير الجريمة؛ بل تعني محاولة فهمها حتى نستطيع الوقاية من تكرارها”.
وحذرت عبد العزيز من خطورة أن نتعامل مع الجرائم شديدة القسوة باعتبار كل واقعة حالة فردية منفصلة، مؤكدة أن مصر عرفت الجريمة تاريخيًا، لكن بعض التحولات في أنماط العنف ودوافعه ودرجة التصعيد فيه تستحق دراسة علمية جادة.
وتابعت: “نحن لا نقول إن الجريمة ظاهرة جديدة على المجتمع المصري، فهذا غير صحيح، لكننا بحاجة إلى التوقف أمام بعض التحولات في طبيعة الجرائم ودوافعها ودرجة العنف فيها. عندما يتحول الغضب إلى رغبة في الإبادة، والخلاف إلى انتقام من الأسرة، والغيرة إلى استباحة حياة الآخرين، فهذه مؤشرات لا يجوز أن تمر دون دراسة”.
وطالبت عبد العزيز بإجراء دراسات متخصصة تجمع بين علم الاجتماع وعلم النفس والطب النفسي الجنائي، للبحث في أسباب العنف الانتقامي، وتأثير الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، وتراجع بعض أشكال الروابط الأسرية والاجتماعية، وثقافة المقارنة، فضلًا عن تأثير وسائل التواصل الاجتماعي في تضخيم الفوارق الاجتماعية وإعادة تشكيل مفاهيم النجاح والفشل لدى بعض الفئات.
وأضافت: “أخطر ما يمكن أن نفعله هو أن نعتاد على هذه الجرائم. أن تتحول أسرة كاملة إلى خبر على مواقع التواصل، ثم إلى تريند، ثم ننتقل في اليوم التالي إلى قصة أخرى. الجريمة يجب أن تُحاسَب بالقانون، لكن المجتمع يجب أيضًا أن يتعلم منها”.
وأكدت عبد العزيز أن ما حدث في النرجس فعل بالغ الوحشية وغير إنساني بكل المقاييس، وأن الضحايا لا علاقة لهم بأي خلاف بين الشركاء.
وتابعت: “الشراكة يمكن أن تنتهي، والمال يمكن أن يُسترد، والخلاف يمكن أن يُحسم أمام القضاء، لكن حياة الإنسان لا يمكن استردادها بعد أن تُزهق، ولهذا فإن العدالة للضحايا لا تعني فقط توقيع العقوبة على الجاني، وإنما تعني أيضًا أن نسأل أنفسنا: كيف وصل إنسان إلى درجة يصبح فيها الانتقام أهم من الحياة؟”.
وأكدت عبد العزيز أن جريمة النرجس يجب ألا تنتهي بانتهاء التحقيق أو صدور الحكم، وإنما ينبغي أن تكون نقطة انطلاق لفتح ملف أوسع حول تحولات العنف في المجتمع المصري ودوافع الجرائم الانتقامية.
وأوضحت: “لا نبحث عن مبررات للقاتل، وإنما عن أسباب تمنع ظهور قاتل آخر، العدالة لا تكتمل فقط بمعاقبة الجاني، وإنما تبدأ أيضًا بفهم البيئة النفسية والاجتماعية التي يمكن أن تنتج هذا المستوى من العنف”.
واختتمت حديثها قائله: “جريمة النرجس يجب ألا تنتهي بانتهاء التحقيق أو صدور الحكم؛ لأن الحكم يعاقب قاتلًا، لكن الدراسة الجادة قد تمنع قاتلًا آخر، نحن لا نريد أن نستيقظ على الجريمة التالية ثم نسأل السؤال نفسه من جديد: كيف وصل إنسان إلى هذه الدرجة من القسوة؟، ما نحتاجه ليس فقط أن نعرف من قتل، فهذا تحدده التحقيقات والقضاء، وإنما أن نفهم أيضًا لماذا وصل إنسان إلى هذه الدرجة من القسوة، وكيف نمنع أن تتحول جريمة اليوم إلى نموذج يتكرر غدًا”.




















