في زمنٍ أصبحت فيه وسائل التواصل الاجتماعي جزءًا من حياتنا اليومية، ظهرت فئة غريبة لا تعرف للمواقف الإنسانية معنى، ولا للكلمة الطيبة قيمة. يدخلون إلى صفحات الناس واستورياتهم باستمرار، يتابعون كل صغيرة وكبيرة، لكنهم يختارون الصمت دائمًا.
تراه حاضرًا عند كل منشور، يشاهد كل قصة، ويتابع كل خبر، فإذا كان هناك فرح لم تجد منه كلمة: “مبروك”، وإذا نزلت مصيبة لم تسمع منه: “البقاء لله”، وكأن حضوره يقتصر على المشاهدة فقط، دون مشاركة وجدانية أو موقف إنساني.
والسؤال الذي يفرض نفسه: ما الهدف من هذه المتابعة الصامتة؟ هل هو فضول؟ أم تلصص على تفاصيل حياة الآخرين؟ أم مقارنة دائمة لا تنتهي؟ أم أن الحسد يدفع بعض النفوس إلى متابعة النعم أكثر من مشاركتها بالدعاء والفرح؟ فالمتلصص لا يبحث عن الخير بقدر ما يبحث عن التفاصيل، والحاسد يضيق صدره بنجاح غيره، بينما صاحب القلب السليم يفرح للناس كما يفرح لنفسه.
لقد أصبحت بعض الحسابات بالنسبة لهؤلاء نافذةً للمراقبة لا للتواصل، ولجمع الأخبار لا لتبادل المشاعر، وكأنهم يكتفون بدور المشاهد الذي لا يترك أثرًا طيبًا، لكنه لا يفوّت خبرًا ولا مناسبة.
لسنا نطلب من الجميع المجاملة، ولا نسعى إلى كلمات تُقال بلا مشاعر، لكن من أبسط معاني الإنسانية أن تفرح لفرح الناس، وأن تواسيهم في أحزانهم، فالكلمة الطيبة صدقة، والموقف الكريم لا يكلف شيئًا.
أما أولئك الذين يكتفون بالمراقبة الصامتة، فربما يحتاجون إلى مراجعة أنفسهم أكثر من حاجتهم إلى متابعة الآخرين. فالتواصل الحقيقي ليس بعدد المشاهدات، وإنما بصدق المشاعر وحسن المواقف، والقلوب السليمة لا تتلصص على النعم ولا تحسد أصحابها، بل تدعو لهم بالبركة.
وطوبى لمن امتلأ قلبه بحب الخير للناس، فتمنى لهم من النعم ما يتمناه لنفسه، فهذه منزلةٌ عظيمة لا يبلغها إلا أصحاب القلوب المؤمنة والتقية. وطوبى لمن جعل حضوره بين الناس جبرًا للخواطر، وكلمته بلسمًا للنفوس، وسعيه إصلاحًا لا إفسادًا، وكان هينًا لينًا، طاهر القصد، نقيَّ القلب، لا يحمل حقدًا ولا حسدًا، بل ينشر المحبة والود حيثما حلّ.
ففي النهاية، لا تُقاس قيمة الإنسان بعدد ما يشاهد، بل بما يتركه من أثرٍ طيب، وبما يزرعه في قلوب الناس من مودة ورحمة، فالكلمة الصادقة قد ترفع صاحبها عند الله وعند الناس، أما التلصص والحسد فلا يزيدان صاحبهما إلا ضيقًا وخسرانًا.




















