يحتسى قهوته المُرّة، واقفًا إزاء “البُن البرازيلي”، في شارع سعد زغلول، بمحطة الرمل، يتخير موضعًا على “قِمة” زقاق جانبي، نعم “قِمَّة” وليست ناصية، إنه يحتفظ في لهجته برائحة البحر، يأبى الخروج من غلالة “الحكي الطفولي”، هكذا تهجي الدنيا، ألفًا باءً، تهجاها بلسانٍ سكندري مبين.
الساعة تدنو إلى منتصف الليل، وليل عروس البحر قاسٍ، في العشر الأواخر من يناير.
هو في مطلع العشرينيات، يرتدي قميصًا فرنسيًا خفيفًا على اللحم، منقوشًا بورود صاخبةٍ ألوانُها، هكذا كانت “موضة التسعينات”.
تنهش الريح أضلاعه، رغم رشفات القهوة الساخنة، والتبغ الساخن..يرتجف رجفات متقطعة، متلذّذًا بالشجن الذي يثيره الشعور، تائهًا وسط ضجيج المارة، يمارس هوايته، هواية الغرباء: تمعن وجوه السابلة، بغير غاية.
التسكع وحيدًا، تناول وجبته السريعة وحيدًا، العبور في الأزقة الملتوية وحيدًا، إشعال سيجارة من أخرى وحيدًا، تمعن جماليات العمارة العريقة، في شارع فؤاد وحيدًا، يبتسم في وجه رضيع وحيدًا، يداعبالكلاب الضالة وحيدًا، يدندن: “آه يا ليلي آه يا عيني.. ياللي شفت في عينيا الدموع وأنا دايمًا راجع وحيد”، يدندن وحيدًا.
فرغ من فنجانه، فمشى الهوينى نحو محطة الترام، أخذ يتفحص عناوين الكتب المستلقية على الأرصفة، ابتاع رواية ما، لا يذكر عنوانها اليوم، لعلها “المرايا” لنجيب محفوظ، ومعها ابتاع أيضًا العدد الطازج من “روز اليوسف”.. لطالما أحب “روزا”، حتى قبل أن يعلم أن الأقدار ستكتب له أن يعمل بها بعض وقت، ثم ستكتب أن يغادرها غاضبًا بعد وقت، فيخرج ولا يعود.
حتى الآن، يحلو له أنا يقول: “إنني روزاوي الهوى”، مدرستها الصحفية تناسبنه: مدرسة جماليات الكتابة، وصناعة الدهشة في العناوين، ويأسى على ما آلت إليه الصحافة إجمالًا، بعد أن صار شرط الكتابة، هو عزف اللحن ذاته، وتدبيج المديح ذاته، والتهليل ذاته، والتسبيح ذاته، والتكبير ذاته، وهو لا يعرف إلا أن يكون ذاته.
ها هو يتجه إلى “الترام”، التي يروق له أن يستقلها، متى انتصف الليل، في الشتاء، إذ يتقاطر عليها بأعداد قليلة، وسط الأسبوع،الخارجون من دور السينما، حفلة تسعة إلى اثنتى عشر، وقت كان معظم الجمهور، ممن ينتمون إلى الطبقة الوسطى، والذين كان بوسعهم أن يبلغوا شيئًا من الترويح عن النفس، قبل أن تشدهم الظروف الاقتصادية، التي يسمونها ربما على سبيل الدلع: إصلاحًا، إلى أسفل سافلين، وقبل أن ينتهي العصر الذهبي لسينمات محطة الرمل، ليبدأ عصر دور العرض في المراكز التجارية الكبرى، الجامدة القاسية الميّتة، ومن ثم تغدو تلك “الفُسحة البسيطة”، فوق طاقة البسطاء، الذين يزدادون كل يوم بؤسًا.
الطقس البارد يغري بتناول الـ”آيس كريم”، طلبه بنكهة “المْستِّكة”، التي لا تزال المفضلة لديه، وصعد سُلمتي “الترام”، فإذا بوجهها الطفولي والأنثوي معاه، يخطفه خطفًا بنظرة طيبة، وابتسامة خجلى، فإذا الأرض ترتج تحت قدميه رجًا، وإذا بعينيه تتوهانِ كالمنوّم مغناطيسيًا، في القسمات الوادعة الهادئة، أقل إذا شئت “الكاريزمية”.
جلست الحُلوة إلى جوار شُباك، إلى يمين باب الصعود، فانتخب مكانًا يستطيع فيه أن يتملّاها، من دون أن يضبطه متلبسًا بفعلته، ذاك الذي يبدو أنه أخوها، بالنظر إلى ما يشتركان فيه من ملامح.
وجه مستدير، كأنما رُسِمَ بـ”برجل” هندسي، شعر كستنائي يهرهر على كتفيها، ليس بالطويل، ولا بالقصير، ويعانقُ عنقًا، يجمع ما بين نعومة حبات اللؤلؤ، وشموخ المسلّات الرومانية، أنف في أناقة المشغولات الذهبية الإيطالية، وشفتان غليظتان دسمتان، تلوّنتا بعُنابي يجلدبرجولته، ويناغي في آن واحد حماقاته الطفولية، وبشرة حليبية بيضاء من غير سوء، وعينان لوزيتان خضراوان عميقتان دافئتان، في محجريهما تولدُ الإحداثيات، ما بين الأرض والسماء، وفيهما تشعوشب آفاق، ليس لها بداية، وليس لها نهاية.
إن الحسناء تختلس إليه النظرات، تفترُّ شفتاها عن نصف ابتسامة، وهو يرنو إليها هائمًا، كأنما تحلق به، سجادة مسحورة، إلى بلاد العجائب، حيث البحار من فتات الفيروز، والرمال من تراب الذهب، وحيث العشاق يقفون تحت شبابيك الأميرات، يلقون قصائدهم، ويريقون ألحانهم على قيثاراتهم، ومن ثم يرحلون وليس معهم إلا نظرةرضا، وربما وردة حمراء، ألقيت عليهم جزاءَ ما نزفته قرائحهم، وما سال من حناجرهم.
إن “الترام” يكاد يبلغ “الشاطبي”، عجلاته الحديدية الهادرة، لا تشبع من التهام المسافات، إن الشهية مفتوحة، لم تبق إلا بضع محطات، فيبلغ “كيلوباترا”، حيث سيشتري وجبة سريعة، وسيأكلها بغير شغف، ثم يرتمي في أحضان كتاب ما، حتى يطلع الصباح، هكذا يفكر فيما أخذت ذات العينين الخضراوين، “تُلاغيه” في صمت، ويناجيها في صمت صوفي ذي شجون.
ثمة طفلة تغالب النعاس، على ذراع أبيها الشاب، يداعبها برسم تعبيرات “أراجوزية” على وجهه، لا يأبه حتى الآن بما يقول عنه الناس، إن ابتسامة الأطفال، من أبدع مفردات هذه الحياة، إنها تدفئ روحه الغريبة، وتخترع السكينة في شرايين قلبه الذبيح.. تضحك الطفلة التي لم تُفطم على الأرجح، بصوت كزقزقة العصافير، وتمد يدًا لتعبث بشعره الطويل، وهو مستسلم لها بغير قيد أو شرط، وذات العينين الخضراوين، ترسل إليهما نظراتها الوادعة، المفعمة شغفًا، لا تفسير منطقيًا له.
محطة الإبراهيمية، دقات قلبه كعقارب ساعة، تقول له: إن الوداع صار قاب قوسين، وذات العينين الخضراوين، ما زالت تُدروشه في ذاتها، بنظرات تقدح البارود في عروق يديه النافرة، يحدثها في خياله: “إن شيئًا سريًا فيكِ يا جميلتي، يطرح ألف سؤال وسؤال، ولا يقدم إجابة واحدة، من أين جئتِ؟ وكيف تُوقف نظراتك الأرض عن الدوران؟ وما هذا الخدر الشهي الذي يعتريني كلما حدقت في وجهك الملائكي والملكي؟ بعد قليل سيذهب كلٌّ في طريق، لكن بعضًا من النشوة التي أسبغتِ عليّ، بمنتهى السخاء، ستبقى في وجداني طويلا”.
بلغ “الترام” محطة كيلوباترا، هبط السُلمتين منكس الرأس كراية مهزومة، ومنكس القلب كذلك، وقف إزاء الشباك، بحيث يراها وتراه، فيما لا يدركه ذاك الذي يحسبه أخاها، زأرت العجلات الحديدية، على القضبان الحديدية، لوح لها مودعًا، ابتسمت ابتسامة أذابت قلبه ذوبانًا، ابتسامة فيها شيء من كبرياء الأنوثة، وشيء من لهفة الفراق، وانبجست في خاطره الكتابة بغير استئذان.
“ما كنتُ أحسبُ أن أقدارًا ستجمعنا معا/ لمّا نظرتُك راغبًا متمنعا/ لمّا نظرتُ فإذا الحنينُ يُذيبُني/ يدمي فؤادي ويستبيحُ الأضلعا/ لمّا دنوتُ فإذا التنائي محتمٌ/ لوّحتُ وقطارٌ يغيبُ مودعًا”.
أشعل سيجارته، ومضى إلى بيته، في ذاك المساء البعيد، الذي بدأ بنظرة فابتسامة فوداع فقصيدة.. مضى وهو يُدندن وحيدًا





















