ليست المشكلة في اختلاف التقدير السياسي لثورة يناير فذلك حقٌّ مكفول، بل في الخلط المتعمّد بين النقد المشروع ونزع المشروعية الدستورية، هذا الخلط هو جوهر الأزمة في التصريحات التي تطاولت على يناير، ثم انسحبت ـ بلا وعي قانوني ـ على الدستور المصري ذاته.
فيناير، بصرف النظر عن المواقف الأيديولوجية، واقعة دستورية تأسيسية. ليست شعارًا، ولا حزبًا، ولا لحظة عاطفية، بل حدثٌ سياسي ترتّبت عليه آثار قانونية متعاقبة، انتهت بدستور نافذ أقرّه الشعب باستفتاء حر. ومن ثمّ، فإن إنكار يناير اليوم لا يُغيّر من الحقيقة الدستورية شيئًا، بقدر ما يكشف عن قصور في فهم فكرة الشرعية ذاتها.
الدستور لا يُستمد من رضا السياسيين عنه، بل من إرادة الأمة. وهذه الإرادة، حين تتجسّد في استفتاء عام، تُنشئ ما يُسمّى في الفقه الدستوري بـ الشرعية المؤسسة، والطعن على هذه الشرعية بخطاب سياسي عاطفي، هو طعن على مبدأ الاستقرار الدستوري، لا على نصوص بعينها.
الأخطر في هذا الخطاب أنه يتعامل مع الدستور بوصفه بيانًا سياسيًا قابلًا للهدم، لا عقدًا اجتماعيًا ملزمًا. بينما الحقيقة أن الدساتير لا تُلغى بالخطب، ولا تُسقطها الميكروفونات، وإنما تُعدَّل عبر آلياتها المنصوص عليها، وإلا دخلنا في منطق الفوضى المقنّعة بثوب الوطنية.
ثم إن من يعترض على يناير جملةً، ويهاجم الدستور إطلاقًا، يُسأل سؤالًا بسيطًا لم يُجب عنه أحد: ما البديل؟
وأي نظام سياسي يمكن أن يقوم خارج إطار شرعية قائمة، دون أن ينزلق إلى فراغ دستوري يهدد الدولة ذاتها؟
الدولة الحديثة لا تُدار بالحنين إلى ما قبل اللحظة، ولا بالثأر من التاريخ، بل بـ تراكم الشرعيات واحترام قواعد الانتقال والاستقرار، أما إنكار الوقائع المؤسسة، فليس شجاعة سياسية، بل هروب من مواجهة الواقع.
الخلاصة أن الدفاع عن الدولة لا يكون بهدم دستورها، ولا بإلغاء لحظات تشكّلها، بل بصيانة الإطار الدستوري، ونقده من داخله، لا الطعن عليه من خارجه، ومن لا يُميّز بين النقد والهدم، يُخاصم الدستور دون أن يدري، ويُضعف الدولة وهو يظن أنه يحميها.





















