في خضم ما يُثار من جدلٍ محتدم، وما يُتداول من أحاديث غير موثقة، عن اتجاهٍ مزعوم لإسناد تعيين أو ترقية القضاة إلى الأكاديمية العسكرية، يصبح لزامًا—دستورًا وقانونًا— أن نقف وقفة عقل، لا وقفة انفعال، وأن نُعيد الأمور إلى نصابها الصحيح، بعيدًا عن الإشاعة، وبعيدًا عن المزايدة.
وأول ما يجب تقريره، وبمنتهى الوضوح، أن الدولة المصرية لم تُعلن، ولم تُفصح، ولم تُبدِ أي نية رسمية بشأن إصدار قرار يمس آلية تعيين القضاة أو ترقيتهم على النحو المتداول، ولم يصدر في هذا الشأن أي تشريع أو قرار نافذ منشور بالجريدة الرسمية يمكن البناء عليه قانونًا.
ومن ثمّ، فإن ما يُثار لا يجاوز كونه شائعات تُطلق في توقيت بالغ الحساسية، قد يقف خلفها من يسعى إلى الاستفادة من موقف بعينه، أو توظيف المشهد لتحقيق مكاسب شخصية أو سياسية، على حساب استقرار الدولة وهيبة مؤسساتها.
والحق أن الأوطان لا تُدار بالشائعات، ولا تحتمل في هذه اللحظة الراهنة مثل هذه المهاترات التي لا تخدم إلا من يراهن على إرباك المشهد وبث القلق في وجدان المجتمع.
فالقضاء المصري كان وسيظل الحصن الحصين للوطن ككل، وركيزة العدل، وميزان الإنصاف، وملاذ المواطن حين تضيق به السبل. وأي مساس بهيبة القضاء أو زعزعة الثقة فيه، لا يُعد خلافًا قانونيًا مشروعًا، بل خطرًا يمس صميم الدولة، ويُضعف إحدى دعائمها الأساسية.
ومع ذلك، وحرصًا على إعلاء النقاش الدستوري الرصين، يفرض الافتراض الجدلي نفسه: ماذا لو صدر مثل هذا القرار؟وهنا تكون الإجابة الدستورية الحاسمة إن مثل هذا الإجراء—إن تم—لا يستقيم مع أحكام الدستور القائم.
فالدستور المصري، في مواده (184) و(185)، قرر مبدأ استقلال السلطة القضائية استقلالًا كاملًا، لا يقتصر على حرية القاضي في إصدار حكمه، وإنما يمتد إلى بنيتها المؤسسية، وإدارة شؤونها، وعلى رأسها التعيين والترقية. وهذه ليست مسائل تنظيمية هامشية، بل تمثل جوهر الاستقلال القضائي ذاته.
فالتعيين والترقية ليسا شأن تدريب أو تأهيل، وإنما قرار عدالة، تُباشره الجهات القضائية وفق قوانينها، وداخل إطارها الطبيعي، وأي نقل لهذا الاختصاص —كليًا أو جزئيًا— إلى جهة غير قضائية، أياً كانت طبيعتها أو وطنيتها، يُعد مساسًا مباشرًا بمبدأ الفصل بين السلطات، ومخالفة صريحة للدستور، لا يُجدي معها تبرير، ولا يُصلحها حسن النية.
وهنا يجب التمييز بوضوح بين أمرين لا يجوز الخلط بينهما: أولهما، التدريب أو التأهيل العام، وهو أمر جائز، بل مطلوب، متى كان غير ملزم، وغير مؤثر في مسار التعيين أو الترقية.
وثانيهما، جعل جهة غير قضائية بوابة أو شرطًا لازمًا للالتحاق بالقضاء أو الصعود في درجاته، وهو ما يُعد عدوانًا على استقلال القضاء، لا تنظيمًا له.
ولا يصح أن يتم هذا الأمر بقرار عادي، أو حتى بموافقة بعض الجهات القضائية؛ فالدستور لا يُعدَّل بالتراضي، ولا تُصحَّح مخالفته بالتوافق، والطريق الوحيد—إن أُريد المساس بهذا الأصل—هو تعديل دستوري صريح يعيد تعريف مفهوم الاستقلال القضائي، وهو أمر بالغ الخطورة، وبالغ الحساسية، ولا يجوز تمريره تحت عناوين براقة من قبيل “التطوير” أو “التحديث”.
إن أخطر ما في هذا المشهد ليس قرارًا لم يصدر، بل إشاعة قرار، فالإشاعة حين تتعلق بالقضاء، لا تهز القضاة وحدهم، بل تضرب ثقة المجتمع في العدالة، وتضع الدولة في مواجهة غير مبررة مع أحد أعمدتها الراسخة.
والكلمة الأخيرة يجب أن تكون واضحة، وحاسمة، ولا تقبل التأويل: القاضي يُعيَّن ويُرقّى باسم العدالة وحدها،
لا باسم أي مؤسسة أخرى، واستقلال القضاء ليس منحة، بل هو أصل الدولة، وشرط بقائها.





















