في تطور قضائي لافت قد تكون له تداعيات واسعة على ملف المعاشات الخاصة، أعادت أحكام حديثة صادرة عن محاكم مجلس الدولة طرح تساؤلات قانونية مهمة حول آلية تسوية معاشات ومكافآت نهاية الخدمة لأعضاء هيئة الشرطة، وذلك بعد صدور حكمين في الدعويين رقمي 604 لسنة 72 ق و9508 لسنة 72 ق.
وقد أرست المحكمة في هذين الحكمين مبدأ قانونيًا واضحًا يؤكد أولوية تطبيق قانون هيئة الشرطة باعتباره قانونًا خاصًا، وعدم جواز إخضاع هذه الفئة لقواعد عامة قد تنتقص من حقوقها التأمينية.
ورغم أن الحكمين صدرا في منازعتين فرديتين، فإن ما تضمناه من تفسير قانوني يثير تساؤلات أوسع حول مدى سلامة الآلية التي اتبعتها الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي خلال السنوات الأخيرة عند تسوية معاشات بعض أعضاء هيئة الشرطة.
أولوية القانون الخاص
القضاء الإداري مستقر على قاعدة تشريعية مفادها أن القانون الخاص يقيد القانون العام ويقدم عليه عند التعارض.
وفي هذا السياق، فإن قانون هيئة الشرطة لم يقتصر على تنظيم العلاقة الوظيفية فحسب، بل وضع نظامًا متكاملًا للحقوق المالية والتأمينية، بما يعكس إرادة المشرّع في إنشاء إطار قانوني خاص يراعي طبيعة العمل الشرطي.
ومن ثم فإن إخضاع هذه الفئة لقواعد عامة واردة في قوانين التأمينات الاجتماعية، إذا كان من شأنه تقليص المزايا التي قررها القانون الخاص، يعد خروجًا على فلسفة التشريع.
إشكالية في آلية التسوية
تكمن الإشكالية في أن الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي اتجهت إلى تقسيم مدة الخدمة التأمينية إلى فترتين: الأولى وفق القانون رقم 79 لسنة 1975، والثانية اعتبارًا من نفاذ القانون رقم 148 لسنة 2019.
غير أن هذا التقسيم قد يؤدي عمليًا إلى تطبيق قواعد القانون العام على فئة تخضع لنظام قانوني خاص، وهو ما قد يترتب عليه الانتقاص من بعض الحقوق التأمينية التي قررها قانون هيئة الشرطة، خاصة أن قانون التأمينات الجديد نفسه تضمن نصوصًا تستثني الفئات الخاضعة لأنظمة خاصة من تطبيق بعض أحكامه.
آثار قد تمتد لملفات أخرى
ورغم أن الأحكام القضائية تصدر في خصومة محددة، فإن ما تضمنته هذه الأحكام من تفسير واضح للنصوص القانونية قد يشكل اتجاهًا قضائيًا يمكن الاستناد إليه في القضايا المماثلة.
فإذا استقر هذا الاتجاه أمام دوائر مجلس الدولة، أو أيدته المحكمة الإدارية العليا لاحقًا، فقد يفتح ذلك الباب أمام إعادة النظر في عدد من ملفات تسوية المعاشات التي تمت وفق آلية التقسيم الزمني لسنوات الخدمة.
جهة التنفيذ
الجهة المختصة بتنفيذ هذه الأحكام هي الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي باعتبارها المسؤولة قانونًا عن حساب وصرف المعاشات، ويتعين عليها في حال صيرورة الحكم نهائيًا إعادة التسوية وصرف الفروق المالية المستحقة.
الخلاصة
الحكمان الصادران عن مجلس الدولة لا يقتصر أثرهما على تسوية نزاعين فرديين، بل يطرحان تساؤلًا قانونيًا أوسع حول مدى دقة تطبيق قوانين التأمينات عند التعامل مع الفئات التي تخضع لأنظمة تشريعية خاصة.
وقد يكون السؤال الأهم الذي تطرحه هذه الأحكام اليوم: هل نحن أمام مجرد نزاعين فرديين، أم بداية مراجعة قانونية أوسع لآلية تسوية معاشات الفئات الخاضعة لأنظمة خاصة؟






















