لم تعد أزمة التشريع في مصر ـ وربما في كثير من الدول العربية ـ مرتبطة بغياب القوانين، بل على العكس، أصبحت الأزمة الحقيقية تكمن في التضخم التشريعي الهائل مقابل تراجع فاعلية التطبيق على أرض الواقع، فالمشكلة لم تعد في “نقص النصوص”، وإنما في قدرة هذه النصوص على تحقيق العدالة والاستقرار والتنظيم داخل المجتمع.
فعلى مدار سنوات طويلة، شهدت المنظومة القانونية صدور أعداد ضخمة من القوانين والتعديلات واللوائح التنفيذية، حتى أصبح المواطن العادي ـ وأحيانًا رجل القانون ذاته ـ عاجزًا عن الإحاطة الكاملة بحجم التشريعات المتغيرة والمتلاحقة، ومع هذا التوسع التشريعي، لم يتحقق بالضرورة ذات التوسع في جودة التطبيق أو استقرار المراكز القانونية أو تحقيق العدالة الناجزة.
إن كثرة القوانين ليست دائمًا دليلًا على قوة الدولة، فقد تكون أحيانًا مؤشرًا على ارتباك الرؤية التشريعية أو محاولة معالجة الأزمات المتكررة بنصوص جديدة دون معالجة الأسباب الحقيقية للمشكلة، فالدولة القوية ليست هي التي تُصدر أكبر عدد من القوانين، وإنما التي تملك منظومة قانونية مستقرة وقابلة للتنفيذ وتحظى باحترام المجتمع وثقته.
وقد كشفت التجربة العملية أن بعض القوانين تصدر في توقيتات متسارعة استجابة لضغوط ظرفية أو اقتصادية أو اجتماعية، دون منح المجتمع القانوني والجهات المعنية الوقت الكافي لدراسة آثارها التطبيقية بصورة متأنية، وهو ما يؤدي أحيانًا إلى ظهور الحاجة السريعة لتعديل النصوص ذاتها بعد فترة قصيرة من إصدارها، الأمر الذي ينعكس سلبًا على فكرة الأمن القانوني واستقرار المعاملات.
كما أن الفجوة بين النص والتطبيق أصبحت من أخطر الإشكاليات التي تواجه المنظومة القانونية، فهناك قوانين تبدو متقدمة للغاية من الناحية النظرية، لكنها تصطدم عند التنفيذ بضعف البنية الإدارية، أو غياب التدريب الكافي، أو تعقيد الإجراءات، أو حتى غياب الثقافة القانونية لدى المواطنين، وهنا يتحول القانون من أداة لتنظيم الحياة العامة إلى مجرد نص جامد لا يلمس الواقع الحقيقي.
ولا يمكن إنكار أن بعض التشريعات تُصاغ أحيانًا بلغة فضفاضة أو غير دقيقة، بما يفتح الباب لاختلافات واسعة في التفسير والتطبيق، وهو ما قد يؤدي إلى تضارب الاجتهادات واهتزاز الثقة في استقرار المراكز القانونية، فالنص القانوني الجيد ليس فقط ما يحقق الغرض التشريعي، بل ما يحقق أيضًا الوضوح والاستقرار وقابلية التطبيق العملي.
كذلك فإن التضخم التشريعي يؤدي إلى إرهاق مؤسسات الدولة ذاتها، سواء الجهات الإدارية أو جهات إنفاذ القانون أو حتى السلطة القضائية، التي تجد نفسها أمام كم هائل من النصوص المتشابكة والمتغيرة باستمرار، ومع الوقت، يصبح تنفيذ القانون أكثر تعقيدًا، ويصبح المواطن أكثر شعورًا بالغموض تجاه حقوقه والتزاماته.
إن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ دائمًا بإصدار قوانين جديدة، بل قد يبدأ أحيانًا بإعادة تقييم القوانين القائمة، ودمج المتشابه منها، وإلغاء النصوص التي تجاوزها الواقع، وتبسيط الإجراءات، وتحسين كفاءة التنفيذ، فالقانون الناجح ليس هو الأكثر صرامة، بل الأكثر قدرة على تحقيق التوازن بين هيبة الدولة ومصالح المجتمع.
كما أن جودة التشريع ترتبط ارتباطًا مباشرًا بوجود حوار مجتمعي وقانوني حقيقي يسبق إصدار القوانين، تشارك فيه المؤسسات المعنية، وفقهاء القانون، وأصحاب الخبرات العملية، حتى لا تتحول العملية التشريعية إلى مجرد رد فعل سريع على أحداث مؤقتة.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأهم أن هيبة القانون لا تتحقق بكثرة النصوص، وإنما بعدالة التطبيق واستقراره، فالمجتمعات لا تقاس بعدد القوانين التي تصدرها، بل بقدرتها على تحويل هذه القوانين إلى واقع يشعر به المواطن في حياته اليومية، وعندما يثق المواطن في أن القانون واضح وعادل ويُطبق على الجميع دون استثناء، تتحقق الغاية الحقيقية لأي نظام قانوني حديث.
















