قال ناجي الشهابي، رئيس حزب الجيل الديمقراطي، إن المدخر المصري كان من أكثر المتضررين من أزمة الجنيه، متسائلًا: “من عاقب المدخر المصري؟.. حين أصبحت الثقة في الجنيه فاتورة يدفعها صاحب تحويشة العمر”.
وأوضح الشهابي، خلال منشور له عبر صفحته على “فيسبوك”، أن هناك مواطنًا مصريًا لم يشتر الدولار للمضاربة، ولم يهرب أمواله إلى الخارج، ولم يشتر عقارًا في دولة أخرى، ولم يكن طرفًا في مفاوضات الحكومة مع صندوق النقد، بل فعل ما يفترض أن تطلبه منه أي دولة، إذ عمل وادخر ووثق في عملته الوطنية ووضع تحويشة عمره بالجنيه المصري، متسائلًا: “فماذا حدث له؟”.
القوة الشرائية للمدخرات تحت ضغط تراجع الجنيه
وأشار إلى أنه إذا افترضنا أن مواطنًا كان يمتلك مليون جنيه عندما كان الدولار في حدود 7 جنيهات، فإن القيمة الدولارية الاسمية لهذا المبلغ كانت تتجاوز 140 ألف دولار تقريبًا، بينما عندما يصبح الدولار 50 جنيهًا تصبح قيمته، إذا قيست بالدولار، نحو 20 ألف دولار فقط.
وأوضح أن ذلك لا يعني أن المواطن خسر فعليًا أكثر من 120 ألف دولار، لأنه لم يكن يمتلك دولارات أصلًا، كما أن مدخراته إذا كانت وديعة مصرفية حققت فوائد خلال هذه السنوات، إلا أن المقارنة تكشف أن القوة الخارجية للجنيه الذي ادخر به المواطن تراجعت تراجعًا كبيرًا.
وأكد أن المدخر لا يعيش بالدولار وإنما يشتري السلع والخدمات، ولذلك فإن المقياس الأكثر عدالة هو ما حدث للقوة الشرائية للمليون جنيه، موضحًا أن انخفاض العملة في اقتصاد يعتمد على الاستيراد في جزء مهم من غذائه وطاقته ومعداته ومدخلات إنتاجه يؤدي إلى انتقال نسبة من انخفاض العملة إلى الأسعار، وهو ما عاشه المصري بالفعل.
وأضاف أن ما كان يستطيع المواطن شراءه بمائة جنيه أصبح يحتاج إلى مئات، وما كان يستطيع شراؤه بمليون جنيه قبل سنوات أصبح يحتاج إلى ملايين، مؤكدًا أن الخسارة الحقيقية لصاحب المدخرات لم تكن في اختفاء رقم حسابه البنكي، وإنما في انخفاض ما يستطيع هذا الرقم شراءه.أرسل لك الجزء التالي بعد هذا مباشرة إذا أردت استكمال الخبر حتى النهاية.
وتساءل الشهابي: “الفائدة البنكية.. هل عوضت الخسارة؟”، موضحًا أن صاحب المليون جنيه لم يضع أمواله تحت المرتبة، وكان يستطيع وضعها في البنك والحصول على فوائد مرتفعة، مؤكدًا أنه لا يجوز حساب خسارة المدخر المصري من سعر الدولار وحده، وإنما يجب وضع الفوائد التي حصل عليها مقابل التضخم الذي تحمله.
وأضاف أنه إذا كان البنك يمنح عائدًا قدره 15%، بينما ترتفع أسعار الاحتياجات بنسبة 25% أو 30%، فإن المواطن يصبح أغنى على كشف الحساب البنكي، وأفقر بالقوة الشرائية، مشيرًا إلى أن العائد الاسمي ليس هو العائد الحقيقي، فإذا حصل المواطن على فائدة مرتفعة بينما ارتفعت الأسعار بنسبة أكبر، فإن أمواله زادت عددًا، بينما انخفضت قدرتها على شراء السلع والخدمات.
وأوضح أن المقارنة الأكثر إيلامًا تتمثل في شخصين كانا يمتلكان الثروة نفسها، الأول احتفظ بثروته بالجنيه ووضعها في البنك، بينما احتفظ الثاني بجزء كبير من ثروته بالدولار، مشيرًا إلى أنه مع كل تخفيض للجنيه حصل صاحب الجنيه على فوائد، بينما وجد صاحب الدولار أن كل دولار يمتلكه أصبح يشتري جنيهات أكثر، بعدما ارتفع الدولار من نحو 7 جنيهات إلى 18 جنيهًا، ثم تجاوز 24 جنيهًا، ثم اقترب من 31 جنيهًا، ثم اقترب من 50 جنيهًا.
وأكد أن ذلك أدى، على امتداد سنوات، إلى إعادة توزيع هائلة للقوة الشرائية بين من احتفظ بثروته بالجنيه ومن احتفظ بها بالعملة الأجنبية، لافتًا إلى أن هذه ليست مسألة نظرية، وإنما قضية تمس ملايين الأسر المصرية.
وتساءل: “ماذا كانت الرسالة التي تلقاها المواطن من كل ذلك؟”، وهل كانت الرسالة “ثق في عملتك الوطنية وادخر بها”، أم أصبحت الرسالة العملية أن من اشترى الدولار مبكرًا حمى جزءًا أكبر من ثروته، ومن احتفظ بالجنيه تحمل جانبًا أكبر من تكلفة الأزمة، مؤكدًا أن هذه النتيجة خطيرة على أي اقتصاد، لأن العملة الوطنية ليست مجرد أوراق نتبادلها، وإنما عقد ثقة بين المواطن والدولة.
وأشار إلى أن المواطن يعمل ثلاثين أو أربعين سنة، ويحصل مقابل عمله على الجنيه، ثم يؤجل استهلاكه ويدخر جزءًا من دخله، وعندما يفعل ذلك فهو يثق بأن العملة التي يحصل بها على مقابل عمله اليوم ستحتفظ بجزء معقول من قيمتها غدًا، لكن تكرار الصدمات الكبيرة في قيمة العملة يدفعه إلى البحث عن مخزن آخر للقيمة، سواء الدولار أو الذهب أو العقار، متسائلًا: “ثم نتساءل بعد ذلك: لماذا يشتري المصريون الدولار والذهب؟”.
وأضاف الشهابي أن الأخطر أن صاحب الوديعة لم يكن مسؤولًا عن حجم الدين الخارجي، ولم يقرر حجم الاقتراض، أو أولويات الإنفاق العام، أو يتفاوض مع صندوق النقد، أو يتخذ قرار تحرير سعر الصرف، أو يقرر في مارس 2024 انتقال الدولار الرسمي خلال فترة قصيرة من نحو 31 جنيهًا إلى مستويات قاربت 50 جنيهًا، لكنه تحمل جانبًا من نتائج كل ذلك.
وتساءل: “هل يجوز أن تتحول مدخرات المواطنين إلى إحدى الأدوات غير المباشرة لامتصاص تكلفة الاختلالات الاقتصادية؟”، مؤكدًا أنه لا يصف ذلك قانونيًا بأنه “مصادرة”، لأن أموال المواطنين لم تؤخذ من حساباتهم، لكن اقتصاديًا حدث ما يستحق التوقف أمامه، إذ جرى اقتطاع غير مباشر من القيمة الحقيقية لمدخراتهم بفعل التضخم وانخفاض القوة الشرائية للجنيه، موضحًا أن الفارق بين الأمرين مهم قانونيًا، لكنه بالنسبة لصاحب المعاش الذي اكتشف أن تحويشة عمره لم تعد تشتري ما كان يتوقع أن تشتريه، قد لا يكون مريحًا كثيرًا.
وأشار إلى مفارقة أخرى، تتمثل في أن ارتفاع الفائدة لمواجهة التضخم وانخفاض العملة يمنح صاحب الوديعة عائدًا أعلى، لكن من يدفع هذه الفائدة هي البنوك والدولة والاقتصاد في النهاية، لترتفع تكلفة الاقتراض على الشركات، كما ترتفع تكلفة خدمة الدين الحكومي، لافتًا إلى أن الاقتصاد يدخل في دائرة تبدأ بانخفاض العملة، ثم ارتفاع الأسعار، ثم ارتفاع الفائدة، ثم ارتفاع تكلفة الدين والتمويل، ثم الحاجة إلى موارد أكبر لمواجهة النتائج، مؤكدًا أن تخفيض العملة ليس مجرد رقم يخص تجار العملة، وإنما قرار تمتد موجاته إلى الاقتصاد كله.
وأضاف أنه لا يريد أن يظلم الحساب، موضحًا أن هناك سؤالًا يجب الإجابة عنه بالأرقام، وهو: إذا وضع مواطن مليون جنيه في البنك وظل يجدد ودائعه ويحصل على العوائد طوال السنوات الماضية، فهل عوضته هذه العوائد فعلًا عن التضخم وانخفاض القوة الشرائية؟، مؤكدًا أن ذلك يحتاج إلى حساب سنة بسنة، وبحسب نوع الوديعة والعائد المتاح في كل فترة، ولذلك لن يضع رقمًا نهائيًا للخسارة قبل إجراء هذا الحساب.
وأكد أن الحقيقة التي لا تحتاج إلى مبالغة هي أن من احتفظ بمدخراته بالجنيه تعرض لمخاطر تضخم وسعر صرف هائلة، بينما كان من يمتلك أصلًا دولاريًا محميًا بدرجة أكبر من انخفاض قيمة العملة المحلية.
الجزء الخامس يتناول تكلفة انخفاض الجنيه على الدولة
واختتم منشوره بالتأكيد على أن المشكلة ليست فقط أن الدولار أصبح أغلى، وإنما أن سنوات من عمل المواطن وادخاره أصبحت تشتري أقل، معتبرًا أن هذا هو الوجه الإنساني الحقيقي لانخفاض العملة، موضحًا أن خلف كل رقم يظهر على شاشة البنك موظفًا ادخر لمستقبل أولاده، وأبًا ادخر لزواج ابنته، وصاحب معاش ادخر لسنوات الشيخوخة، وأسرة ادخرت لشراء شقة، وأن هؤلاء جميعًا لم يكونوا مجرد متفرجين على انخفاض الجنيه، بل كانوا جزءًا ممن دفعوا فاتورته.
وأشار إلى أن الجزء الخامس سيتناول كيف انعكس انخفاض الجنيه على تكلفة الدين الخارجي، والدعم، والوقود، والمعدات، ومواد البناء، والمشروعات العامة، ولماذا قد تكون الدولة التي اتخذت قرار تخفيض العملة أصبحت هي نفسها واحدة من أكبر من دفعوا ثمنه.





















