ملف مسكوت عنه وآن أوان فتحه بكل وضوح حفاظًا على الهوية المصرية في المقام الأول، وعلى هوية الفن المصري في عمومه وخاصة تراثه الموسيقي والغنائي ثانيًا، وذلك حتى لا نفيق فزعًا ذات يوم على مقدمة رسمية تشبه “روتانا سينما تقدم” بعدما فقدنا تراثنا السينمائي بفعل فاعل في تواطؤ مماثل أو غفلة مشابهة من الزمن.
ونُقِر مقدمًا بحق المملكة العربية السعودية الكامل بالأخذ بأسباب التطور ومواكبة العصر، بل والتطلع إلى مستقبل أفضل تأخذ فيه مكانها المستحق كدولة رائدة في مختلف المجالات، ومنها مجال الفن من خلال هيئة الترفيه والوزير تركي آل الشيخ، ولكن في نفس الوقت يرفض أي غيور على وطنه أو هكذا أفترض، أن يصل الاستخفاف بعقولنا حد أن يأتي هذا على حساب الفن المصري، هويته وقيمته وتراثه وتاريخه وتأثيره.
فلولا هوية وقيمة وتراث وتاريخ وتأثير الفن المصري، ما كان تركي سارع لمحاولاته الجاهدة لسحب البساط من القاهرة إلى الرياض، تلك المحاولات القائمة أساسًا على الإغراء بالمال ليس إلا، مع تجميل الصورة إلى أقصى حدٍ ممكن حفاظًا على ماء وجه مشاهير النجوم قبل هؤلاء المشتاقين إلى الشهرة والنجومية، والجميع بكل أسف أثرياء أو أغنياء أو مستورون أو محرومون، ظهروا سواسية في مواجهة المال سيد الموقف في محفل الرياض!.
نحن الآن أمام ثلاث فئات، فئة أولى محل إقامتها الآن الرياض، فئة ثانية لم تتلق الدعوة بعد وتخطب الود بتصريح هنا أو تعليق هناك، وفئة ثالثة قلة قليلة تقبض على جمر رفض الأمر كله مسبقًا، ولكنها في لحظة اختبار حقيقية حرجة ربما تكتشف في نفسها ضعف قدراتها الحقيقية في مواجهة نواياها، وهذه الفئات الثلاث لا تضم فقط مطربين وموسيقيين وعازفين ذوي صلة بأنشطة محفل الرياض، أو نجوم وفنانين ارتضوا القيام بدور جمهور المتفرجين مدفوعي الأجر هناك كما في برامج التوك شو، ولكنها تضم أيضًا إعلاميين وكُتاب وصحفيين ومسؤولين، جميعهم موالٍ حتى بالصمت على أسوأ الفروض.
الصمت على جريمة مسخ هوية الفن المصري، بحجة التكريم والتقدير وإعادة إحياء التراث بما يواكب لغة العصر، كلنا شاهدنا احتفالية تكريم الموسيقار هاني شنودة، والتي لم تأتِ إلا في عجلة سارقة للأضواء وقافزة على الحدث، بعدما تعثرت إقامة حفلة له على مسرح إحدى الكنائس في مصر أو هكذا تردد وقتها، المهم أن حفلة تكريمه هناك كانت “مسلوقة” سطحية باهتة وكأنها “لمة أصحاب” وليست احتفالية تليق بمن هو في مكانة هاني شنودة الاستثنائية، ومع ذلك فرحنا وقتها فقط لفرحة هاني شنودة.
فإذا بعدها تأتي احتفالية “روائع الموجي” إحياءً لمئوية ميلاد أحد روادنا الكبار الموسيقار محمد الموجي، والتي على كثرة المشاركين فيها من النجوم المصريين والعرب، اقتصر التفوق فيها على عزف الفرقة الموسيقية وقيادة المايسترو وليد فايد، ومعهما وصلة طرب مصرية أصيلة قدمتها مي فاروق، بخلاف هذا لم يكن أداء الجميع مصريين وعرب مصنفين من كبار النجوم إلا تشويهًا بكل ما تحمله الكلمة من معنى، لما صار في أصله راسخًا بقوة من أغنيات مطربينا الكبار في وجدان الجماهير المصرية والعربية من مختلف الأعمار.
وأخيرًا وليس بالقطع آخرًا جاءت احتفالية “مشوار” لتكريم الكينج محمد منير برسالتها المباشرة فيما يتعلق بإعادة توزيع أغانيه الأيقونية توزيعًا أوركستراليًا، وبما أحدثته من صدمة أفقدت منير بريقه التاريخي، وذهبت بأغانيه بعيدًا عن هويتها، وأفقدت جمهوره نوستالجي حضورها في تشكيل الوعي والوجدان، وانحصر التألق يومها في حضوره الطاغي في قلوب الجماهير، وختام الحفل بأغنية “حدوتة مصرية” العصية العابرة للزمن وتقلباته.
والوقفة هنا ضرورية لتوضيح فكرة مسخ هوية تراثنا، فأنت بكل تأكيد سمعت أغنية قديمة حاضرة في وجدانك بلحنها الأصلي، كان توزيعها في وقتها “ميلودي” قائم على عزف عدد محدود من الآلات الموسيقية لنفس النغمة، ولعلك سمعت نفس الأغنية موزعة توزيعًا حديثًا مع الاحتفاظ بهوية اللحن الأصلي، موزعة “هارموني” التوزيع القائم على تنفيذ اللحن من خلال تفاعل عدد أكبر من الآلات الموسيقية المتطورة من خلال نغمات تتكامل فيما بينها ليخرج اللحن في صورته النهائية، حتى أتى التوزيع الأحدث “أوركسترالي” الخاص بالتأليف الموسيقي في الأصل بعيدًا عن تلحين كلمات الأغاني، والذي بكل تأكيد إذا لم ينتبه القائمون عليه يُفقِد اللحن الأصلي هويته، وهو ما حدث مثلًا مع أغاني منير.
الخطورة مع سيطرة مفهوم التوزيع الأوركسترالي بمرور القوت، أنه حتمًا سوف تفقد الأذن ذائقة اللحن الأصلي، بل وقد يندهش الوجدان ويستغرب هذا اللحن وقتما يسمعه حتى بالصدفة، عندها يصبح تراثنا بالفعل في خبر كان، ويفقد الفن المصري هويته، هكذا قولًا واحدًا بعيدًا عن أي مبررات واهية، أو تجميل حقائق صادمة.
يتردد في كواليس المشهد حاليًا أن المطربة مي فاروق ومعها عدد من العازفين استقالوا بالفعل من عملهم بدار الأوبرا المصرية، والبقية تأتي، أن هيئة الترفيه السعودية تعمل الآن جاهدة على شراء مقتنيات رواد الموسيقى والغناء المصريين الكبار، ولعل مقتنيات العندليب عبد الحليم حافظ وصلت بالفعل هناك، أن تركي آل الشيخ بصدد طرح شراكة استراتيجية تختص بتراثنا الموسيقي والغنائي مع دار الأوبرا المصرية، وهي رؤية حق بكل تأكيد مرادها باطل، أن دورة مهرجان الموسيقى العربية المقبلة برئاسة فتى تركي المدلل ومهندس محفل ترفيه الرياض “المايسترو” هاني فرحات محطة فاصلة تجاه طمس هوية المهرجان المصرية، وهو ما كشفت عنه تصريحات فرحات المندفعة حال توليه رئاسة المهرجان الأسابيع القليلة الماضية.
في المقابل لا نشهد حتى الآن أي وقفة من أي نوع على أي مستوى تواكب خطورة الأمر، وإنما تجاهل وصمت ومواءمات ومصالح وجهود فردية نمطية إن أتت تأتي نفخًا في الهواء أو حرثًا في الماء، انتبهوا لأنفسكم وهويتكم وتراثكم أيها السادة، فالجريمة تاريخية بكل المقاييس والملف الآن صار مفتوحًا.





















